وثيقة نسبٍ حيّة

من ذرية إبراهيم بن محمد بن ابراهيم العلي القصير رحمه الله

152عدد الأفراد
3الأجيال
81ذكور
71إناث
150على قيد الحياة
1في ذمة الله

سيرة المؤسس — إبراهيم بن محمد بن ابراهيم العلي القصير

إ ب

ترجمة الوالد ّ
إبراهيم بن محمد بن إبراهيم القصير -رحمه الله-
ترجمة أولية قابلة للزيادة والنقصان
كتبها ابنه:
علي بن إبراهيم بن محمد القصيّ

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله الحي القيوم، الذي كتب الفناء على جميع خلقه وتفرد بالبقاء، والصلاة
والسلام على أشرف الأنبياء، نبينا محمد وعلى آله وأصحابه الأتقياء الأصفياء. وبعد:
فهذه ترجمة مختصرة موجزة لحياة الوالد رحمه الله رحمة واسعة، حاولت فيها لَّم شتات ما بقي في الذهن من مواقف وذكريات عشتها معه، وما رسخ في الذاكرة من وقائع
وأحداث قضيتها بصحبته، وما قصه ورواه وحكاه وحفظته عنه، ولا شك أنه فاتني منها
الكثير حيث لم يدر في خلدي يوماً أنني سأكتب عنه سيرة تحكي حياته، فلم أدون شيئاً في السابق يسعفني في الكتابة الآن، ولم أجد ارشيفاً يسدد ما نقص عندي من معلومات مهمة وبخاصة ما يتعلق ببعض أعماله، حيث كانت حياته رحمه الله حافلة بالعمل والجد والتجارات المتعددة، مما يجعل الاعتماد فيها على الذاكرة فقط أمراً صعباً بل قد يكون مستحيلًا.
وليس شيئاً أصعب على الإنسان من أن يسطر ترجمة لوالده، فإن دموعه تسبق
حروفه، ولكني أحتسب أن تكون وفاء لبعض حقه علي، فلا أقل من أن يترحم عليه مترحم، أو يذكره بخير أو يدعو له في ظهر الغيب.

وتغطي بعضاً من

من سيرته

تنبئ عن جزء

ولقد رأيت تقسيم ترجمته إلى أقسام جوانب حياته رحمه الله
القسم الأول: سيرته ونشأته

• اسمه وكنيته ومولده.
• اسم والديه

• نشأته وتربيته
• تعليمه
القسم الثاني: صفاته.
القسم الثالث: أعماله وتجاراته. القسم الرابع: رحلاته.
القسم الخامس: زوجاته وأولاده وتنقله في مسكنه. القسم السادس: ذكرياتي معه.
القسم السابع: مرضه ووصيته ووفاته.

القسم الأول: سيته ونشأته اسمه ومولده:
هو: إبراهيم بن محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي، يكنى بأبي علي.
ولد رحمه الله في بريدة وتحديداً في "الأمية" وكان ذلك في عام 1340)ه( أو (1341) هـ.
ثانيا:˝ اسم والديه
أما والده فهو محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي، من أهل العلم والفضل والتقوى والورع، وقد كتبت له ترجمة مختصرة رحمه الله.
وأما والدته فهي هيا بنت محمد بن حمود بن عبد الله بن إبراهيم رحمها الله تعالى،
وجدها إبراهيم تلتقي فيه جميع أسرة القصير، وله من الأبناء أربعة: علي وعبدالله ومحمد
وحمد1، فالجدة هياء تتفرع من العبدالله، والجد محمد يتفرع من العلي.
وقد عرفت رحمها الله بالديانة والصلاح ورجاحة العقل وحسن المنطق.
• نشأته وتربيته:
لقد نشأ الوالد رحمه الله بين أبوين صالحين، فتربى على الاستقامة على دين الله والحرص على العبادات، والإحسان والنفع والبذل والعطاء، ومن قرأ ما دونته في سيرة والده رحمه الله يدرك مدى حرصه وإلتزامه وتمسكه بالعبادات وبمحاسن الأخلاق، وحرصه الشديد



1 محمد أنجب ثلاثة من الأبناء هم: إبراهيم وسيلمان وعبدالرحمن، وكلهم لم ينجبوا ولذا فقد سموا بـ"العقماء" وأما علي وعبدالله وحمد فإليهم ترجع جميع أسرة القصير.

على نفع الناس والبذل لهم، وعنايته الشديدة بصلة الرحم، ولاشك أن هذا قد انعكس على والدي رحمه الله فسار على منهج والده واكتسب منه وأخذ عنه.
وكذلك والدته رحمها الله فقد سعت لتربيته على مكارم الأخلاق وحثه على التعلم والتزود من كل ما هو نافع مفيد، رحمهما الله وأجزل لهما المثوبة وتقبل منهما.
• تعليمه:
ذكرت سابقاًكيف أثرت حياة الجد على جوانب عديدة من حياة الوالد، ولقد كان
لجانب التعليم حظاً وافراً من ذلك، فقد كان حريصاً جداً على تعليمه فألحقه بعدد من المدارس، كان أولها: مدرسة ابن فرج.
ومدرسة ابن فرج أسسها الشيخ عبد العزيز بن صالح الفرج المتوفى سنة 1391)هـ(، وتقع شمال غرب جامع بريدة، وهي مدرسة قريبة من منزل الجد رحمه الله تعالى بالعجيبة، فبدأ الوالد يدرس فيها وأمضى فترة من الزمن ثم هرب منها، وسبب ذلك أنَّه مرة أراد ابن فرج رحمه الله رحمة واسعة أن يضربه بالعصا، الذي يسمونه في ذلك الوقت المسطعة، فوضع ابن فرج يد الوالد على فخذه، فلما أهوى بالمسطعة سحب الوالد يده مباشرة، فضرب ابن
فرج فخذه بهذه العصا، فهرب الوالد بسرعة حتى لا يمسكه ابن فرج ولا الطلاب، وبعد
هذا الموقف امتنع من الرجوع إلى المدرسة، وممن درس في مدرسة ابن بشر رحمه الله الشيخ علي بن إبراهيم المشيقح مساعد رئيس محاكم القصيم سابقاً رحمه الله، والشيخ عبدالعزيز
بن عبدالرحمن المسند، والشيخ علي بن سالم السالم مساعد رئيس محاكم القصيم سابقاً،
والشيخ عبدالله بن محمد المسند مدير المعهد العلمي ببريدة سابقاً، وغيرهم.
فانتقل بعد ذلك إلى مدرسة الشيخ مبارك رحمه الله تعالى، والشيخ مبارك هو مبارك بن
حسن الراجح، توفي سنة ثمان وتسعين وثلاثمائة وألف 1398)هـ( رحمه الله، وتقع غرب

مسجد الشيخ صالح الخريصي في الحي المسمى الحويزة، وهي أيضاً قريبة من منزل الجد
رحمه الله تعالى بالعجيبة، واستمر بالقراءة على الشيخ مبارك حتى انتهى من قراءة القرآن عليه.
ومما يُذكر عن هذه المدرسة أنَّه درس فيها الشيخ عبد الكريم بن عبد الله الخضير
عضو هيئة كبار العلماء، وعضو اللجنة الدائمة في دار الإفتاء، والشيخ حمود بن صالح
العقيل، والدكتور عبد العزيز بن أحمد المسعود.2
ولما افتتحت المدرسة الليلية ببريدة وأظنها الفيصلية، وهي أول مدرسة افتتحت في بريدة آنذاك، فاجتاز السنة الأولى والثانية والثالثة، وكان متميزاً جداً ويأخذ ترتيبه الأول على أقرانه، فرأى بعض من يدرس في المدرسة أن يعين مدرساً فيها نظير تميزه ولقلة أعداد
المدرسين في ذلك الوقت، فاستشاروا مدير التعليم في حينه الشيخ صالح العمري فوافق،
ولما عرضوا الأمر على الوالد وافق في بادئ الأمر، ثم تراجع بعد ذلك، وحمد عاقبة تراجعه فيما بعد، وكان يقول لنا ربما لو قبلت التدريس لاستمريت عليه وبقيت موظفاً براتب قليل طوال حياتي.
وبعد أن كبر رغب رحمه الله في مراجعة ما حفظه في صغره فالتحق بحلقة الشيخ محمد بن سنان، وقرأ عليه القرآن وجوده وراجع ما سبق أن حفظه.
كما أنه تعلم الحساب بدرجاته الأربع الجمع والطرح والقسمة والضرب، وأتقنها
إتقانًا جيداً.





2 ينظر: كتاب المدارس الأهلية )الكتاتيب( في مدينة بريدة )ص(91-87 و )ص.(134-132

القسم الثاني: صفاته
لئن كانت كتابة الابن ترجمة لوالده مما تشق عليه وتستعصي على نفسه ومشاعره
وعواطفه، فإن أكثر ما يشق عليه منها الكتابة في صفاته التي تحتاج إلى غوص في عمق
النفس، وترجمة كتابية للمشاعر والأحاسيس، وتلمساً للصفات والسمات ما ظهر وما

جمع

حرص صاحبها على إخفاءها رغبة الأجر والثواب من الله، ولذلك فإنني حاولت شيئ يسير مما ظهر وبرز من صفاته رحمه الله:
أولا:˝ مراقبة الله عز وجل.

مما تميز به رحمه الله مراقبته لله تعالى وخوفه منه في السر والعلن، وقد كان يظهر هذا في بيعه وشراءه، وصدق ميعاده، وأداء واجباته، وعدله بين زوجاته وأولاده، وغيرها من الأمور التي لا تحصى، وكان دائما ما يردد رحمه الله ":الدنيا تبي والآخرة تبي"
ثانيا:˝ الصدق.
وهذا يعرفه عنه كل من تعامل معه رحمه الله، وبخاصة من كان بينه وبين الوالد بيع وشراء، وكثيراً ما كنت أسمع من الأقارب وغيرهم ممن شاركوا الوالد بتجارة وغيرها ثناؤهم
الجمّ على صدقه في قوله وفعله، ومما يذكر في هذا أن الوالد قد استدان )دين سلم( من
عبدالله القفاري -أحد تجار بريدة آنذاك- مبلغاً من المال، وفي كل مرة يحاول الوالد
تسديده يثنيه عبدالله القفاري ويقول له "اصبر لا تسدد الآن اشتغل بالمال وترزق الله منه" حتى ملّ الوالد من كثرة ما يرده، فذهب إلى أخيه عبدالرحمن القفاري وقال له مازحاً" إذا
ما أخذ أخوك عبدالله فلوسه أبشتكيه" فضحك عبدالرحمن وقال "ما يصير إلا خير"
وبالفعل استعاد عبدالله ماله من الوالد رحمهم الله جميعاً، وهذا يدل على ثقته بالوالد وصدق وعده.

ثالثا:˝ الفطنة وسرعة البديهة:
من أشهر الصفات التي تميز بها الفطنة وسرعة البديهة، وهذا نعرفه ويعرفه من عاشره وعامله حق المعرفة، فكثيراً إن لم يكن دائماً ما يصدق رأيه وتصيب مشورته في العديد من الأمور، منها على سبيل المثال أنهكان يستطيع تمييز الشخص المحتاج من غير المحتاج فيعطيه
مما من الله به عليه وجادت به نفسه وإن كان متعففاً لم يسأل، وفي هذا الصدد أذكر ما
جاء في تفسير قوله تعالى: )يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم(، قال ابن سعدي -رحمه الله":-إن الجاهل بحالهم ليس له فطنة يتفرس بها ما هم عليه، وأما الفطن المتفرس فبمجرد ما يراهم يعرفهم بعلامتهم، وقوله تعالى: )تعرفهم بسيماهم( أي بالعلامة التي ذكرها الله في وصفهم في قوله تعالى: )يحسبهم الجاهل أغنياء."(
كما ذكر الشيخ ابن عثيمين رحمه الله في تفسيره لسورة البقرة (368/3) عند قوله
تعالى: )تعرفهم بسيماهم( قال: " إن بعض الناس يظهر بمظهر الغنى بكن إذا دققت في
حاله علمت أنه فقير، وهذا يعرفه من مَنَّ الله عليه بالفراسة يعلمون أحوال الناس بملامح وجهه ونظراته وكذلك بعض عباراته، كما قال الله تعالى: )ولتعرفنهم في لحن القول."(
وقد كان لفطنته أثرها الواضح في مفاوضاته وعقوده وصفقاته التي أبرمها مع عدد
من الأشخاص والجهات -كما سيأتي الحديث عنها لاحقاً-حيث كان يستطيع مفاوضة وإقناع من أمامه برأيه وفكرته دون عناء، وقد كان هذا سبباً من أسباب نجاحه في كثير من الأمور التجارية بعد توفيق الله له.
كما أنه من سماته -رحمه الله- سرعة الرد وحضور البديهة واتزان الحديث، وإلجام
من يحاول التطاول أو الحديث بكلام غير لائق.

رابعا:˝ الحزم.
لقد كان الوالد رحمه الله جاداً وحازماً في أموره كلها، وأكثر من يدرك هذا هم أهل بيته من زوجاته وأبناءه وبناته وأقاربه، ويظهر ذلك جلياً في دقة مواعيده واهتمامه الشديد بالوقت كالتبكير في الذهاب إلى الصلوات الخمس في المسجد، ومواعيد المستشفيات، ورحلات السفر وبخاصة الجوية منها، وحضور المناسبات وغيرها.
كما أنه كان حازماً رحمه الله في كل ما يخص أهل بيته والمحيطين به، فلم يكن يرضى
بالعشوائية أو التخبط أو التهاون سواء فيما يتعلق بأمور الدراسة أو غيرها، وكان يحاسب
المقصر منهم ويصلح الخلل ويتابع أحوالهم بشكل مستمر.
خامسا:˝ الكرم والسخاء.
أما هذه الصفة فلا أجد ما يمكن أن يصفها بدقة إلا قول الشاعر:
ولَيسَ يَ ¸صحُ ¸في الَْأذْهَا ¸ن شَي ئ ****إذا احْ تَاجَ النَّـهَارُ إ¸لى دَل¸ي „ل
فكل من عرف الوالد رحمه الله من قريب أو بعيد، من خاصة أو عامة، من العائلة
ومن خارجها، شهد له بالكرم المتناهي والسخاء الذي يقل نظيره ويعز مثيله، وكم من
الحكايا والقصص والمواقف التي شهدتها على مر السنون كانت تترجم جزءاً يسيراً من فيض
كرمه وسعة جوده وبسط يده، وسأذكر شيئاً منها للتمثيل لا للحصر:
أولها: أنه اشتهر عنه رحمه الله حسن الحفاوة وكرم الضيافةـ حيث كانت موائده عامرة بكل ما لذ وطاب من أصناف الأطعمة والفواكه المتنوعة والذبائح المتعددةـ بل حتى أنه كان يعتني بالأواني التي تقدم لضيوفه، ومن دخل مجالسه سواء في بيوته السابقة التي في الحبونية أو اللاحقة التي في حي الشفاء يلحظ عنايته الشديدة بسعة مساحة مجالسه حتى تحوي أكبر عدد من الضيوف.

ثانيا:˝ أنه رحمه الله قد جعل بيته متاحاً للجميع، ومجلسه متسعاً للغادي والرائح،
والحاضر والمسافر، وقد كان ينزل به بعض الأقارب الذين يأتون من خارج الرياض فيستضيفهم في بيته حيث لم تكن الشقق والفنادق موجودة ومعروفة في ذلك الزمن، ويحتفي بهم ويكرمهم ويضيفهم.
ثالثها: أن كرمه رحمه الله لم يكن مقتصراً على بذله للمال بل كان كريماً حتى في
جاهه، فلم يكن يدلي عليه أحد يريد شيئاً إلا استجاب له وسعى في تحقيق طلبه دون تردد.
رابعها: التنازل عن حقه المالي طلباً للأجر والثواب من الله، وفي هذا من المواقف ما لا يحصى، أبسطها أنه عند وقوع حادث مروري بين سيارة هو يملكها وبين شخص آخر، وكان الخطأ على الشخص الآخر فإنه يتنازل عن المطالبة بحقه ويتركه لوجه الله، ودائماً ما يردد "ما يضيع عند الله شيء."
وأذكر مرة أنه دفع إلى أحد المعقبين مبلغاً من المال ليتابع له موضوعاً في شركة
الكهرباء، وقد كان مبلغاً ليس بالقليل في ذاك الوقت، وهذا المعقب لم ي ¸ف بالتزامه ولم يقم
بما عليه، فكنت أنا وهو في السيارة ذات يوم وقلت له يا والدي فلان الذي أخذ المال ولم يفعل ما طلُب منه لعلك تسامحه، فسامحه فوراً رحمه الله.
خامسها: تفقده للمحتاجين من الأقارب والسعي على قضاء حوائجهم، وقد كان
يصرف زكاته على المحتاجين من الأقارب والقريبات، ويدفع لبعضهم معونات للزواج،
وأكثرها كان يخفيه ولم نعلم به إلا بعد وفاته حينما ذكره لنا أصحاب الشأن من أهل الوفاء.

سادسها: كان من كرمه رحمه الله أنه عند وفاة أحد الأقارب أو الأنساب أو الجيران يرسل لأهله غداء أو عشاء تطبيقاً للسنة وعملًا بقوله صلى الله عليه وسلم: "اصنعوا لآل جعفر طعاماً فقد أتاهم ما يشغلهم."
سابعها: التوسعة على من جاءه يطلبه مبلغاً من المال، فقد كان يقرضهم ما يطلبون ولم يكن يوثقه، أو يلح عليهم بطلبه وخصوصاً معارفه وأقاربه، وكان الواحد منهم إذا أعسر

في هذا الأمر أن أحد المعارف

وقد يعفو عنه ويسقط حقه، وأذكر

فإنه ينظره إلى ميسرة

من أهل القصيم استأجر بيتاً من بيوت الوالد بالحبونية، فلما حلّ القسط الثاني جاء إلى الوالد وقال" يا أبو علي والله ما أملك شيئ الآن فلعلك تمهلني" فاستفسر الوالد عن حاله ولما تبين له ضعف حالته المادية رغم كونه موظفاً أسقط عنه الإيجار وعفا عنه.
ثامنها: كان إذا سافر مع جماعة من أقاربه فإنه يبتدرهم ويسابقهم لدفع تكاليف ما يحتاجونه في سفرهم من مشتريات أو استئجار سيارات أو غير ذلك، وأكثر ما كان يفعل ذلك في الحج.
تاسعها: لما كانت بعض الوظائف الحكومية كوظيفة أمين الصندوق والمحاسب ونحوهما يشترط لقبول من تقدم إليها الإتيان بصك بيت لرهنه لدى الجهة الحكومية، كان يأتي بعض الأقارب والمعارف ممن تقدم لهذه الوظائف إلى الوالد ويطلبون صك بيته لتقديمه لدى الجهة الحكومية فيوافق مباشرة دون تردد، وكذلك من أتى منهم يطلب الكفالة فإنه يكفله ولا ينظر إلى كونه فقيراً أو لا، ولا يخشى من عدم السداد لثقته بديانتهم وأمانتهم.
عاشرها: كرمه في الشكر والثناء لكل من أحسن إليه وأسدى له معروفاً، يشكرهم بلسانه ويدعو لهم سراً وعلناً ويحفظ ودهم ويثني عليهم في حضرتهم وغيبتهم، ودائماً ما يتمثل قول المتنبي:

إ¸نْ أَنْتَ أَكْرَمَّتَ الكَ ¸ر¸يَم مَلَكْتَهُ***وإ¸نْ أَنْتَ أَكْرَمْتَ الَلئ¸ي¸مَ تََمرَدَا
وكان ممن يكثر شكرهم دائماً وهم كثر، أذكر منهم: خاله عبدالرحمن المحمد الحمود، وكذلك ابن خالته إبراهيم بن عبدالله الأحمد، حيث كان رحمه الله يعمل في وزارة الصحة، ولم يكن يتأخر أبداً في خدمة من احتاج إلى علاج أو مستشفى، وكان الوالد كثيراً ما يطلبه لنفسه أو لغيره فيلبى حاجة الوالد، وممن تردد اسمه أيضاً على لسان الوالد خاله وخال والده عبدالله بن عبدالعزيز النصار، ويذكر من فضله عليه أنه في أحد أيام الأعياد طلب الوالد هدية أو ما كان يسمى سابقاً بـ"الحقاق" وهي نقود أو حلوى أو "قريض" يوزع قبل يوم العيد على الصبيان والبنات الذين يطرقون الأبواب، فأعطاه خاله ريالًا فرنسياً وكانت قيمته
السوقية في ذلك الوقت عالية جداً ففرح به كثيراً ، ولذا كثيراً ما كان الوالد يذكره بالخير
ويدعو له ويترحم عليه حتى أنه قد أشركه في ضحاياه.
ومنهم أيضاً آل محمد "العقماء" وقد سبق الحديث في ترجمة الجد عن سبيلهم وأوقافهم التي جعلوها لأقاربهم وأبناء عمومتهم، وقد انتفع منه الجد وإخوانه وأبناء عمومته رحم الله الجميع.
كما كان الوالد يذكر ويدعو لسند الحصيني أمير الشقة السفلى سابقاً، ويذكر من محاسنه أن أحد الأعمام كان بحاجة للمال فلم يجد من يقرضه من أقاربه فأعطاه سند رحمه الله.
هذه بعض الصور التي تحكي جزءاً يسيراً من كرمه رحمه الله، وما خفي فهو أعمق وأكبر
وأعظم، ولكن لم يكن ليتحدث لنا عما يقدمه للناس مطلقاً، بل يحاول إخفاءه بقدر
المستطاع، وهذا ظهر لنا بجلاء بعد وفاته، عندما قدم المعزون من الأقارب والمعارف

والأنساب والجيران، حكى أهل الوفاء منهم قصصاً سمعناها لأول مرة، وذكروا لنا ما قدمه لهم مما كان يطويه ولا يرويه، يفعل كل ذلك ابتغاء الأجر والثواب منه سبحانه.
سادسا:˝ البشاشة وطلاقة الوجه.
يذكر عنهكل من قابله رحمه الله أنه كان طلق الوجه بشوش المحيا كثير التبسم، يأنس

الممازحة بأدب، وإدخال

بمن حوله ويأنسون به، سواء كانوا من ضيوفه أو غيرهم، يحب السرور على جلسائه، فقد كان مجلسه لا يمل.
سابعا:˝ سلامة الصدر.

كان رحمه الله سليم الصدر، يعفو عمن أخطأ عليه بالقول أو الفعل، بل إنه كان كثيراً ما يحاول الصلح بين المتخاصمين، ومما أذكره أن أحد الأقارب حصل بينه وبين زوجته خلاف على أثره خرجت من البيت، فلما توفيت رحمها الله ذهب الوالد إلى زوجها وطلبه
أن يسامحها ويعفو عنها، فامنتع في بادئ الأمر ثم قَ¸بل بعد ذلك، كما أنني مرة شاركت
وإياه في دفن مؤذن المسجد وقد كان بينه وبين الإمام سوء تفاهم فلما انتهينا من الدفن
طلب من الإمام أن يسامحه ويعفو عنه.
ثامنا:˝ بره بوالديه في حياتهما وبعد مماتهما.
كان الوالد رحمه الله باراً بوالديه براً عظيماً يتعجب منهكل من عرفه، فقد كان يسعى على
قضاء حوائجهما ويتابع ذلك بنفسه، ويتفقد أحوالهما بشكل مستمر، أما والده رحمه الله
فقد كان يعمل ويتكسب ، ولكنه لما كبر وشق عليه العمل بعد أن رجع من بلدة الخصيبة طلب منه والدي أن يرتاح في بيته وتكفل بدفع المصروف له ولزوجته، ولما زاد عليه التعب وصار لا يستطيع الخروج إلا للمسجد فقط، وكّل الوالد ابن العم علي بن محمد بن عبدالعزيز لتفقد أحوال والده، وزاد تبعاً لذلك النفقة التي ينفقها على والده.

بل إن زوجة أبيه رقية بنت صالح السعوي حفظها الله لما رغبت أن تخرج من بيت الملك
الذي في العجيبة وتسكن بالقرب من أهلها، استأجر لها الوالد منزلًا قريباً منهم، وكان
يدفع أجرته، واستمر على هذا الحال حتى بعد وفاة الجد رحمهما الله جميعاً، ولما تزوجت
رقية وكبر بناتها )منيرة وهيلة( ورغبتا في الحضور إلى الوالد والإقامة عنده في الرياض
استقبلهما وعاشتا عنده وكانتا بمنزلة بناته وأدخلهن المدارس.
أما بره بوالدته رحمهما الله تعالى فكان أعظم لكونها انتقلت عنده وسكنت في الرياض،
فأحسن إليها وقام على رعايتها وتفقد أحوالها واحتياجاتها، ولازمها ملازمة مستمرة، ولما تقدم بها السن واشتدت عليها الأوجاع والأمراض بدأ يتنقل بها بين المستشفيات ويختار لها
أحسن الأطباء ولو كلفه ذلك مبالغ مالية كبيرة، حيث لم تكن المستشفيات الحكومية
منتشرة في السابق كالحال الآن، فكان يذهب بها إلى المستشفيات الخاصة وتجرى لها
الفحوصات الطبية والعمليات الجراحية التي تحتاج إليها، وأذكر أن طبيباً للعيون أتى زائراً
للمستشفى الوطني، وقد اشتهر بحذاقته ومهارته، وكانت تشتكي من عارض في عينيها
أذهب شيئاً من بصرها، فذهب بها إلى هذا الطبيب، وقرر إجراء عملية لها وتكللت بالنجاح وعاد إليها بصرها.
كما أنه رحمه الله يحرص أشد الحرص على جمع قريباتها وإكرامهن وبالأخص أخواتها، لما يعلم من أنسها وسرورها بذلك.
وبعد وفاة والديه رحمهما الله أخذ إرثهما وأعطىكل من له حق نصيبه، أما نصيبه هو من الإرث فأخذه وشارك به مع ابن العم عبدالرحمن بن محمد العبدالعزيز في تجارة الحديد وجعله
وقفاً لوالديه، وبعد أن نما المبلغ وكبر، شارك في مال والدته ببناء بعض المساجد، وبنى
لوالدته مسجداً مستقلًا ببريدة، تقبل الله صالح أعماله وغفر له ولوالديه.

تاسعا:˝ صلته لأرحامه.
من الصفات التي اشتهر بها الوالد أنه كان واصلًا لرحمه يزورهم في منازلهم ويسلم عليهم،
وخصوصاً كبار السن منهم رجالًا ونساء، كما كان يحرص رحمه الله على حضور المناسبات ومشاركة الأقارب فرحتهم وتهنئتهم، سواء كان ذلك في الرياض أو خارجها.
وقلً أن يسمع عن مريض إلا ويذهب لزيارته للسلام والاطمئنان عليه ويسأل من حوله عن حاله، كما كان حريصاً على شهادة جنازة من مات من الأقارب والمعارف والجيران
وغيرهم، يحضر الصلاة والدفن في المقبرة، عرف عنه هذا رحمه الله حتى كبر وشق عليه
الخروج والتنقل والسفر فكان لا يخرج إلا للصلاة فقط ولا يستطيع غيرها، فصار الناس يأتون إليه للسلام عليه والجلوس معه في بيته.
ومما أذكره في صلته لرحمه وإحسانه إليهم أن خال الوالد صالح -وهو الخال الشقيق وكان
عقيماً رحمه الله- يسكن بالأميه، فحصل له عارض صحي في أحد الأيام فذهب إلى
المستشفى وقرروا تخديره وعلاج المكان الذي يشكو منه، ولكن زادت جرعة المخدر والخال
رحمه الله كان مريضاً بالسكر ولم يكونوا يعلمون، فدخل في غيبوبة جراء ذلك، فلما علم
الوالد بالخبر سعى لنقله إلى مستشفى الشميسي في الرياض، وبالفعل نقل وبقي بالمستشفى، وكنت أذهب بجدتي هيا وبعض أخواتها لزيارته كونه الأخ الشقيق لهن، وبعد
فترة وجيزة توفي رحمه الله، وبعد وفاته تبين للوالد أن على خاله ديونًا بمبالغ تعد كبيرة في
ذلك الوقت، ولم يكن يقيدها رحمه الله، فأخذ هو وابن خالته إبراهيم بن عبدالله الأحمد
رحمه الله، بمتابعة ديون خالهما وتهجس من يمكن أن يكون قد استدان منه وتسديده حقه، وكان في ذلك مشقة كبيرة، لكثرة الديون وتفرق الدائنين ولكونه لم يوثقها رحم الله الجميع. عاشرا:˝ رقة قلبه وسرعة تأثره.

كان رحمه الله رقيق القلب مرهف الحس يتأثر بشكل لافت، وبخاصة مع أبنائه وبناته،
فكان الواحد منا إذا مرض أو تعرض لحادث أو أصابه مكروه ما فإنه يحزن ويتألم، وكم مرة رأيته يبكي بكاء شديداً شفقة ورحمة بأحد أبناءه، وكذا يصنع مع والديه وأخواته وخالاته والقريبين منه.
وكذلك كان من سرعة تأثره أنه حين يقرأ في سيرة أحد الصحابة أو الصالحين يتأثر وربما
يبكى، فكثيراً ما كنت أدخل عليه وهو يقرأ في كتاب البداية والنهاية لابن كثير -وكان
يحب هذا الكتاب جداً- وأجد علامات التأثر بادية على وجهه وشيئاً من الدموع في
عينيه، فأجلس عنده ويبدأ بقص ما قرأه في سيرة علم من الأعلام بحماس وتأثر شديدين، غفر الله له وألحقه بالنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

القسم الثالث: أعماله وتجاراته
الكلام عن أعماله وتجاراته وتواريخها مما يصعب حصره وجمعه في مكان واحد لكثرتها، ولكونه قد تنقل من مدينة إلى مدينة أخرى ومن منطقة إلى منطقة أخرى، ولذا فإني سأسعى جاهداً لجمعها وترتيبها حسب ما استقر في ذهني منها:
فأعماله وتجاراته إجمالًا كانت في:
أولًا: العمل بالفلاحة مع والده في نخل القصران. ثانياً: عمله بالصرافة.
ثالثاً: التجارة في مكة رابعاً: التجارة في الرياض.
خامساً : التجارة في الدمام والأحساء. سادساً: المقاولات.
سابعاً: تجارة الحديد.
ثامناً: تعاقده مع شركة أبو الجدايل إخوان. تاسعاً: تجارته بالعقارات.
وتفصيلها كالآتي:
أولا:˝ العمل بالفلاحة مع والده في نخل القصران، وقد سبق الكلام عن هذا في ترجمة الجد، وذكرت أن الوالد عمل مع والده في نخل القصران بـ"الأميه" ولكن لم يدم على ذلك
إلا سنة واحدة فقط، حيث تعرض للخسارة والديون، فآثر أن ينهي شراكته مع والده، وبقي الجد سنة أخرى ثم تركها هو الآخر لذات السبب.

ثانيا:˝ عمله بالصرافة.
وكانت الصرافة في ذلك الوقت تكون بين الريال الفرنسي المصنوع من الفضة والريال
العربي الذي سُك في زمن الملك عبدالعزيز رحمه الله وهو من الفضة أيضاً، فكان يصرفها
فيما بينها، حيث كان الريال الفرنسي منتشراً في ذلك الوقت، ولم يطل العمل بها أيضاً.
ثالثا:˝ التجارة في مكة.
فقدكان يسافر رحمه الله إلى مكة ويشتري منها بضاعة ثم يبيعها في القصيم، وأحيانًا
يبيعها في الرياض لكون قوة الحركة الشرائية في الرياض أكبر من القصيم، وبعد أن تنتهي
البضاعة التي معه يعود إلى مكة ويشتري بضاعة جديدة لبيعها وهكذا.
ومن البضائع التي أذكر أنه أتى بها لبيعها في القصيم ما كان يسمى بـ"الغداف"
وهي شيلة يلبسنها النساء في ذلك الوقت، كما أنه قد اشترى من مكة طماطم وأتى ليبيعه في الرياض، وحيث لم تكن وسائل شحن ونقل البضائع في السابق كما هو الحال الآن من
حداثة السيارات وتبريدها وتعبيد الطرق، فاضطر الوالد لنقله على "حماليات" فسارت
بالبضاعة ومكثت في الطريق قرابة الثلاثة أو الأربعة أيام، فحصل أن دخل شيء من الفساد على الطماطم، فلما وصل الرياض عرضه للبيع فلم يشتريه أحد من الناس، فأدخل على القصر الملكي ودفع له ثمنه دون زيادة.
وقد شارك الوالد بالتجارة في مكة عبدالله الرديني ، كما كان من ضمن المشاركين معهم في شركة المضاربة )البضاعة( الجد عبدالرحمن بن صالح الحصان رحمه الله.
ولما شعر بصعوبة التردد بين مكة والرياض والقصيم نقل أهله إلى الرياض واستقر فيها، وأصبح لا يذهب للقصيم إلا لزيارة والديه أو أقاربه فقط.

رابعا:˝ التجارة في الرياض.
وبعد أن استقر في الرياض رأى أن يتاجر ببيع الأقمشة، وبالفعل اشترى عدداً من "الطاقات" وبدأ ببيعها في سوق السدرة، ولم يكن له حينها دكانًا وإنما يبسط بها على الأرض ويعرضها، وقد كان لبض الأقارب من عائلة المديهش دكانًا لبيع الأقمشة في سوق السدرة أيضاً، فكان إذا انتهى من البيع حمل ما بقي معه من الأقمشة والمال الذي تحصل عليه ووضعه في دكان المديهش ثم شاركهم في بعض صفقاتهم التجارية بالأقمشة.
ومما أذكره في هذا أنه في أحد الأعياد الذي يعد من أشهر مواسم بيع الأقمشة لكون الملابس الجاهزة لم تكن منتشرة في ذلك الوقت، وكان أغلب نساء ذلك الزمان يشترين من الأقمشة ثم يفصلنها، فاتفق الوالد مع إبراهيم المديهش على أن يستوردوا من أقمشة العسائي في جدة ويبيعوها في الرياض، فذهبوا بالطائرة وأحرموا بها، ولما وصلوا جدة في أول الليل توجهوا مباشرة إلى العيسائي، واختاروا ما يريدان من الأقمشة فخزنت لهم بصناديق كرتونية فحملوها إلى المطار وأنهوا إجراءات تحميلها، ثم نزلوا إلى مكة واعتمروا ورجعوا فوراً إلى مطار جدة عائدين إلى الرياض، وحين وصلوا الرياض وجدوا البضاعة قد سبقتهم، فأخذوها وباعوها جميعها في نفس اليوم، ولم يأت ضحى اليوم وعندهم منها شيئ، فكانت مربحة لهم رحمهم الله جميعاً.
خامسا:˝ التجارة في الدمام والأحساء.
لم يمكث الوالد طويلًا في بيع الأقمشة فانتقل إلى التجارة بنقل البضائع من ملابس وأقمشة بين الرياض والدمام والأحساء، فكان يأخذ البضاعة من الرياض ويبيعها هناك، وبالعكس إذا عاد للرياض أتى معه ببضاعة )مال شركة أو مضاربة( من الدمام أو الأحساء
وباعها في الرياض، وقد روى الوالد قصة في هذا الأمر يقول فيها: أنه في إحدى المرات

التي ذهب بها إلى التجارة في المنطقة الشرقية أعطاه عبدالرحمن بن حمود المديهش بضاعة
)مال شركة مضاربة( لابن ريس، وهو ابن لإحدى العوائل المشهورة بالرياض واتفقنا على
الربح، وبالفعل أخذتها وباعتها، ولما وصلت الخبر لقيت التاجر المعروف سليمان الرشيد، واقترح علي بحكم طول خبرته في التجارة أن اشتري دورلات لأنها سترتفع في الغد، فأخبرته بأنه ما معي من مال قد أودعته في مصرف الراشد، والمصرف انتهى دوامه المسائي، فقال:
أعطيك الآن مبلغاً من المال تشتري به دولارات وفي الغد تأتيني بالمال الذي عند الراشد،
فوافقت وأعطاني المال فاشتريت به الدولارات، ومن الغد وذهبت إلى الراشد واستلمت ما أودعتهم إياه من المال وأتيت به إلى سليمان الرشيد وسددته وكان سعرها قد ارتفع بالفعل
في ذلك اليوم، ثم عدت مباشرة إلى الرياض، وسلمت عبدالرحمن المديهش المال الذي
تحصلت عليه لابن ريس فتعجبوا من سرعة البيع ومن المكسب الذي أعطيتهم إياه، وهذا يدل على أن الوالد قد اشتهر بالصدق والأمانة وحسن التعامل.
سادسا:˝ عمله بالمقاولات.
بعد أن عاش الوالد رحمه الله فترة من الزمن في التجارة والتنقل بين المدن واكتسب خلالها الكثير من الخبرات وقابل فيها عدداً من التجار، عرض عليه أحد الأقارب وهو أحمد بن محمد بن إبراهيم وأخويه عبدالله وسليمان مشاركتهم في المقاولات، حيث كانوا يعملون في تأمين الأغذية سواء كان للمستشفيات أو المدارس العسكرية، أو مدارس الأيتام أو غيرها
من الأماكن التي تحتاج إلى تأمين للغذاء، فوافق رحمه الله وشاركهم عملهم، فأخذو مرة
تأمين مستشفى المركزي، ومرة مستشفى العسكري، ومرة كلية الملك عبدالعزيز الحربية، وكذلك مدارس الأيتام وغيرها كثير، وقد تحصل منها على ربح طيب ساعده على الاستمرار بالتجارة فيما بعد.

وبعد فترة من الزمن انسحب رحمه الله من الشراكة وترك العمل بالمقاولات، واستمر الأعمام الذين شاركهم فيها فترة وجيزة من الزمن ثم تخلوا عنها أيضاً رحمهم الله جميعاً، ولعل ذلك يعود إلى قوة المنافسة من قبل شركات أخرى، مما يتطلب تخفيض الأسعار حتى تتم الموافقة على المتقدم، وهذا مالم يقبلوه.
سابعا:˝ تعاقده مع شركة أبو الجدايل إخوان:
بعد أن ترك رحمه الله المقاولات تعاقد مع شركة أبو الجدايل إخوان، وكان ذلك في
بداية عام التسعين، حيث تعهدت الشركة لوزارة المعارف سابقاً -التعليم حالياً-بتأمين
علب الطعام لطلاب المدارس في مناطق المملكة، وشاركه في هذا التعاقد محمد بن إبراهيم الجوعي رحمه الله ولم يطل التعاقد لأن الوزارة ألغت هذه الوجبة.
ثامنا:˝ التجارة بالحديد.
لما ترك المقاولاتكان قد تحصل على رأس مال جيد، فتشارك مع محمد بن إبراهيم
الجوعي في تجارة الحديد، حيث كان رأس المال من الوالد والعمل على محمد الجوعي،
ودامت شراكتهم سنين قليلة ثم انتهت، فعرض الوالد على ابن عمه محمد العلي رحمه الله وكان يسكن حفر الباطن حينها أن يأتي إلى الرياض ويشاركه بدلًا من الجوعي، فوافق وأتى إلى الرياض، وبدأ يشارك الوالد في تجارة الحديد، فكانوا يذهبون إلى الكويت ويشترون الحديد من هناك ثم يرسلونه إلى الرياض، فتحصلوا من ذلك على مكاسب جيدة.
ثم بعد مرور فترة من الزمن أتى ابن العم محمد العلي إلى الوالد في بيته وقال له:
الحديد إما أن يكون لي أو لك، إشارة منه إلى أن الربح قد قلّ، فقال الوالد مباشرة هو لك، واستدعى جاراً لهم وهو الشيخ عبدالله بن أحمد الخضيري وكان من طلاب العلم وممن تخرجوا من كلية الشريعة، فلما حضر قال اكتب الآن مخالصة بيني وبين ابن عمي، وضع

فيها الرقم الذي يمليه عليك، ولم يرغب الوالد في التقصي عن المبلغ والتأكد منه لسماحته رحمه الله وثقته بابن عمه رحمهم الله جميعاً.
بعدها عرض الوالد مشاركته على ابني العم عبد الرحمن بن محمد بن عبد العزيز
القصير رحمه الله، -وهو زوج أخته نورة حفظها الله- وأخيه علي بن محمد بن عبد العزيز
القصير حفظه الله، حيث كان عبد الرحمن يعمل بوزارة الزراعة بالرياض، وعلي يعمل بإدارة التعليم ببريدة، فقدما استقالتهما وشاركا الوالد في البيع بالحديد، واستمروا على هذا الوضع
فترة طويلة ثم انسحب علي من الشراكة ثم دخل بعد ذلك ابن العم محمد العبدالله
العبدالعزيز شريكاً مع ابن عمه عبد الرحمن المحمد العبدالعزيز رحمه الله وبعد فترة من الزمن انسحب محمد العبدالله العبدالعزيز وبقي عبدالرحمن المحمد العبدالعزيز شريكاً وحيداً للوالد رحمهما الله، ورأس المال الذي تاجروا به كان جزءاً منه للمديهش، ولكنهم استرجعوه فيما

له شريك إلا ابن

على الاستمرار، فتوفي الوالد ولم يكن

بعد لما رأوا أن السوق لا يشجع عمه عبدالرحمن رحمهما الله.
تاسعا:˝ تجارته بالعقار.

كان من بين تجارة الوالد رحمه الله العمل بالعقار، وأول بدايته كانت المشاركة في
المساهمات العقارية كالمساهمة مع ابن عبيدان ومحمد الشويهي وغيرهما، وقد تحصل من ذلك
على رأس مال ليس بالكثير، فدفعه إلى ابن العم عبدالعزيز بن محمد الأحمد حفظه الله
بالدمام ليشتري له بعض العقارات هناك، حيث كان مكسب الإيجارات في الدمام أفضل
من الرياض، فاشترى له بعض البيوت الصغيرة وقام بتأجيرها، وبعد فترة من الزمن باع
البيوت التي في الدمام وجمع أمواله المتفرقة واشترى بها أرضاً على شارع عام بالدمام يقال له: شارع ثمانية عشر، وبنى عليها عمارة مكوَّنة من أربعة أدوار أو ربما خمسة، وفي كل دور

أربعة شقق، وفور انتهاءها استأجرتها وزارة المعارف حينذاك بمبلغ جيد، وبقيت فيها قرابة الثلاث سنوات، ثم خرجت منها، فقام ابن العم عبدالعزيز بن محمد حفظه الله بتأجيرها، وتنقلت بين أكثر من مكتب للعقارات، واستمرت تؤجر حتى توفي رحمه الله، ثم بيعت بعد وفاته.
هذه أبرز الأعمال والتجارات التي قام بها الوالد رحمه الله ويوجد غيرها مما لم أفصل فيه.

القسم الرابع: رحلاته
تنوعت رحلات الوالد رحمه الله إلى :
رحلات الحج، ورحلات التجارة، ورحلات العلاج. وسأتحدث عن كل واحدة منها بشكل مستقل:
أولا: رحلات الحج والعمرة.
كان الوالد رحمه الله من المكثرين من الحج والعمرة تقبلها الله منه، ساعده على ذلك كثرة تردده على مكة للتجارة كما سبق الحديث عن هذا، فحفظ أحياء مكة كاملة، ولذا كان من السهولة عليه العودة إليها في كل مرة، ورحلاته إلى مكة منها ما أدركته ومنها ما
كانت وأنا في سن صغير لا أذكره، ولكني سمعتها من بعض الأعمام الذين رافقوه في
رحلاته، قال أحدهم ذات مرة: "يا أبو علي تذكر وأنت تشرب ماء زمزم تدعي الله بالغناة والغنى، والآن أنت غني" آخذاً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد وغيرهما: "ماء زمزم لما شرب له" وكان ذلك في الوقت الذي عمل فيه الوالد بالتجارة بين مكة والرياض وبين مكة والقصيم.
وحكى أحدهم أيضاً أنه في إحدى حجاته مع الوالد كانوا يستقلون سيارة "وانيت" وكانوا قد وضعوا أغراضهم كاملة في صندوقه الخلفي، وحين أرادوا الإفاضة من عرفات إلى مزدلفة سقطكل ما في الصندوق، فنزل الوالد مسرعاً لأخذه وأكمل من في السيارة المسير
حيث لا يسمح بالتوقف لشدة الزحام، فلما جمع الوالد ما جمع وصل إليهم في مزدلفة
فتعجبوا من ذلك أشد العجب، من سرعة جمع الأغراض ومن وصوله إليهم وتمييزه لهم بهذه السرعة رغم الازدحام، لكون الناس يجلسون حيث وجدوا مكانا فارغا.

أما ما أذكره فهو أننا اعتمرنا عمرتين في رمضان وأنا في المرحلة الابتدائية، الأولى
كانت سنة 1384)هـ(، والثانية في سنة 1388)هـ( أو 1389)هـ( تقريباً وكانت معنا
الجدة هيا رحمها الله، والعمة لولوة، وبعض إخوتي وأخواتي وكنا صغاراً في ذلك الوقت
فاعتمرنا واستأجر الوالد بيتاً مكونًا من عدد من الطوابق بخمسين ريال. وأما الحجات التي أذكرها معه رحمه الله تعالى:
فأول حجة لي مع الوالد كانت في سنة 1393) هـ( أو 1394)هـ( ذهبنا إلى مكة
مع ابن خالة الوالد علي المحمد الشعيبي رحمه الله، حيث كان يحج بالناس بمقابل مادي،
فطلب منه الوالد أن يأخذنا بسيارته "الونيت" ليحج بنا، وحين أردنا ركوب السيارة قدم علينا عبدالرحمن البدبوي وطلب أن نأحذ ابنه محمداً ليحج معنا أيضاً، وتم ذلك بالفعل، رحمهم الله جميعاً.
وممن أذكره حج معنا في تلك السنة أيضاً العم عبدالرحمن بن أحمد بن إبراهيم وابنه أحمد، وكذلك خالة الوالد نورة بنت حمود القصير وهي أم علي الشعيبي رحمهم الله جميعاً، وكانت بالقصيم حينها فمررنا بها ونحن سائرون بالطريق إلى مكة.
ومن المواقف التي حصلت في هذه الحجة أننا لما كنا في مزدلفة أتى رجل يبيع الحطب،
فلحقه محمد البديوي رحمه الله وسار خلفه حتى تاه، ولم يرجع إلينا إلا من الغد ونحن في مخيم منى.
ولما أراد بعض من معنا الانصراف من مزدلفة بعد منتصف الليل إلى الحرم لأداء طواف الإفاضة وبخاصة النساء التي يخشى أن يحضن، رفض الوالد الانصراف معهم وقال: أنا وابني علي سنجلس حتى نصلي الفجر، لأن هذه أول حجة لعلي وأرغب أن تكون
على السنة رحمه الله.


الحجة الثانية وكانت في عام 1394)هـ( أو 1395)هـ( حين طلبت مني العمة لولوة
والعمة نورة حفظهما الله الحج بهما أنا وعمي عبدالكريم رحمه الله، فسافرنا من الرياض إلى بريدة، واتفقنا مع رجل طيب من عائلة السكاكر الرشودي غفر الله له، أن يسافر بنا إلى مكة لأداء الحج، وبالفعل ذهبنا ووصلنا مكة، ثم لحق بنا الوالد بعد ذلك.

الحجة الثالثة في عام 1397)هــ( طلبت مني الوالدة حفظها الله أن أحج بها، فسافرنا إلى بريدة كذلك، ومررنا بالجد عبدالرحمن الحصان للسلام والاطمئنان عليه، وذهبت أنا إلى الجد محمد ومكثت عنده قبل السفر إلى مكة، ثم اتفقنا مع العم سليمان المحمد الأحمد على الحج، فسافرنا وكان معه بعض بناته وابن العم فهد البراهيم رحمهم الله جميعاً.
وبعد أن وصلنا مكة لحق بنا الوالد رحمه الله ومعه العمه لولوة حفظها الله، فتقابلنا في منى بعد أن طافوا وسعوا.
ومن الأحداث التي حصلت في هذه الحجة، وفاة الجد عبدالرحمن الحصان، وكان الوالد قبل مجيئه إلى مكة قد مرّ بالقصيم وصلى على الجد ودفنه، وحين وصل مكة أبلغني بالخبر ولم يبلغ الوالدة حيث لم تكن تعلم بوفاته بعد، فلما جاء من الغد رأى الوالد إخبارها
طمعاً في أن تستغل فرصة وجودها في هذه الأماكن والمشاعر المقدسة للدعاء له فأبلغها بوفاته رحمه الله تعالى.
وفي السنة نفسها كانت زوجة الجد عبدالرحمن رحمه الله منيرة بنت إبراهيم الحسني
حفظها الله قد حجت أيضاً وابنها الخال إبراهيم مع زوج ابنتها عبدالله التويجري رحمه الله،
فرغب الوالد بالبحث عنهم لإبلاغهم أيضاً بوفاة الجد عبدالرحمن الحصان، فتقصى عن

المكان الذي يجلس فيه أهل القصيم غالباً في منى حتى وجد خيمة التويجري، فدخل وسلم عليهم وأبلغهم بما حصل، فتأثرت زوجة الجد كثيراً لكونه توفي وهي بعيدة عنه ولصغر سن بناتها آنذاك.

الحجة الرابعة التي حججت فيها معه كانت في سنة 1402)هـ(، وقد اتفق الوالد
مع عديله عبد الله التويجري رحمه الله على حجز مكان في منى بجانب خيمتهم، فسافرت
لمكة مع الوالد والوالدة والأختين حصة وهيلة -وكانت أول حجة لهما- والإخوة سليمان وعساف وحمود، ولما وصلنا مكة وجدنا عبدالله التويجري رحمه الله باستقبالنا فساعدنا على نصب خيمتنا بجانبهم، وكنت وقتها أشعر بأعراض وألم شديدين، ولم أكن أستطيع الحركة بشكل طبيعي لوجود حصوة بالكلى، فذهبت إلى مستشفى الحرس بمنى لأخذ المسكنات.

الحجة الخامسة وكانت في عام 1417)هـ( حيث سافر الأخ عساف ومعه الوالدة، والعمة منيرة وأختها هيلة، ثم لحقتهم فيما بعد أنا والوالد وكان الأخ حمود قد أمّن لنا خيمة من خيام الحرس الوطني، فأقمنا بها جميعاً,
وبعد هذا العام لم يحج الوالد رحمه الله، لأنه قد كبر وشق عليه السفر وصعب عليه المشي الطويل وأصابته بعض الأمراض.

ثانيا:˝ رحلاته العلاجية:
تنقل رحمه الله للعلاج بين لبنان والقاهرة ولندن.
أما العلاجية الأولى فكانت في لبنان عام 1385)هـ( حيث كان يحس رحمه الله بألم
في حلقه، وخشي أن يكون قد أصابه ما أصاب رفيقه وصاحبه عبد الله العبد الكريم
الشويهي رحمه الله تعالى، إذ عانى فجأة من ألم في حلقه ولما أجرى الفحوصات تبين أنه
ورم سرطاني، فأدخل المستشفى ثم نقله ابن أخته ابن العم حمود بن عبدالعزيز إلى لبنان للعلاج ثم رجع إلى القصيم فلم يمكث طويلًا حتى توفاه الله، فالوالد سافر إلى لبنان للاطمئنان على الألم الذي أصاب حلقه، ولعلاج أعراض أخرى في الباطنية ونحوها وبعد
إجراء الفحوصات الطبية اللازمة تبين أنه إلتهاب ضعيف، كما أجرى العديد من الفحوصات في المستشفى الأمريكي في بيروت.
أما الرحلة العلاجية الثانية فكانت إلى القاهرة عام 1395)هـ( تقريباً، حيث أصيب بمرض لم يستطع الأطباء في الرياض تشخيصه، فكان يعاني من خروج الدم عند قضاء
حاجته، فسافر إلى القاهرة بصحبة الخال فهد بن عبد الرحمن الحصان، ولما أجرى
الفحوصات هناك شُ ¸خّصَ بإصابته بمرض البلهارسيا، وطلب منه الطبيب أن يرتاح لمدة
عشرين يوماً على السرير وأعطاه العلاجات اللازمة، وقد زاره في مصر عدد من الأقارب
منهم الشيخ عمر البراك وأخيه يونس البراك رحمهما الله، وابن العم حمود العبدالعزيز حفظه
الله، وعبدالعزيز المحمد الخضيري رحمه الله، ولم يطل البقاء في القاهرة حيث بلغه نبأ وفاة
أخيه عبدالكريم رحمه الله فرجع إلى الرياض سريعاً.
الرحلة العلاجية الثالثة كانت في لندن عام 1398) هـ( تقريباً، سافر الوالد إليها
لعلاج التهاب في المسالك البولية أتعبه كثيراً، ورافقه في هذه الرحلة ابن العم علي بن محمد

العبدالعزيز وابنته، وكذا ابن العم محمد العبدالله وأخته، وبعد إجراء الكشف والفحوصات تبين أن لدى الوالد إلتهاب بالبروستات، فأجريت له عملية جراحية، ومكث في المستشفى قرابة الخمس أيام، زاره فيها ابن العم محمد البراهيم رحمه الله تعالى.
كما لحق بهم بعد ذلك الخال فهد الحصان حفظه الله، وعديل الوالد الشيخ محمد
الخضر رحمه الله وابنه صالح.

ثالثا:˝ رحلاته التجارية.
أما رحلاته التجارية فقد سبق تفصيلها، وأذكرها هنا بشكل مجمل:
رحلاته الداخلية: كان الوالد رحمه الله يتنقل بين القصيم ومكة وبين الرياض ومكة لإحضار البضائع وبعض السلع وبيعها.
كما أنه كان يرتحل بين الرياض والأحساء والدمام لاستيراد البضائع التي تنقص أسواق الرياض وتصدير ما هو موجود في أسواق الرياض مما ليس موجوداً في أسواق الأحساء والدمام.
رحلاته الخارجية: سافر رحمه الله إلى البحرين عدة مرات للتجارة، كما سافر إلى
الكويت أكثر من مرة لشراء الحديد المبسط والصفائح وغيرها وشحنها إلى الرياض، وكان
يسافر معه ابن العم محمد العلي، ثم بعد ذلك أصبح الشركاء هم الذين يسافرون لشراء الحديد، حيث كان رأس المال من الوالد والعمل عليهم رحمهم الله جميعاً.

القسم الخامس: زوجاته وأولاده وتنقله في مساكنه. أولا:˝ زوجاته وأولاده:
للوالد رحمه الله زوجتان:
الأولى: هي والدتي، أمدَّ الله بعمرها على طاعته، وهي منيرة بنت عبد الرحمن بن
صالح الحصان، تزوجها الوالد في رمضان عام 1374)هـ( تقريباً.
وزوجته الثانية: فاطمة بنت إبراهيم بن محمد العجلان حفظها الله، وقد تزوجها الوالد رحمه الله في عام 1388)هـ.(
الوالدة أنجبت أبناء وبنات وهم على الترتيب: علي، حصة، هيلة، سليمان، عبدالله،
عساف، حمود، صالح، عمر، خالد، أمَّا علي فقد تخرَّج من كلية الشريعة، وأمَّا الأختين
حصة وهيلة فقد تخرجتا من دبلوم التعليم للبنات، وتعينتا معلمتين مباشرة بعد تخرجهنَّ، ثم
الأخ سليمان وهو خريج قسم الاقتصاد من كلية الشريعة بجامعة الإمام، ثم الأخ عبد الله
وهو خريج قسم القانون بكلية التجارة في جامعة الملك سعود، وبعده الأخ عساف تخرج
من قسم السنة بكلية أصول ال ّ¸دين بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم الأخ حمود وتخرج من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم من بعده الأخ صالح وتخرج أيضاً من كلية الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم الأخ عمر وتخرج
من جامعة الملك عبد العزيز بجدة، وأخيراً الأخ خالد وقد تخرج من كلية الشريعة بجامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية، حفظهم الله جميعاً.
وأمَّا الأبناء والبنات التي أنجبتهم فاطمة حفظها الله، فهم على الترتيب: الأخت نوف
أخذت الشهادة الثانوية وتزوجت مباشرة، بعدها الأخ عبد الرحمن وقد تخرج من كلية
الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم الأخت زينب وهي كذلك خريجة كلية

الشريعة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، بعدها الأخ أحمد وقد أخذ شهادة
الثانوي، ثم الأخت هيا وهي خريجة كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن سعود
الإسلامية، وبعدها الأخت منيرة وهي خريجة كلية أصول ال ّ¸دين بجامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية، ثم الأخت لولوة وهي خريجة قسم التغذية بكلية التربية والتي ضمت بعد
ذلك إلى جامعة الأميرة نورة، وبعدها الأخ محمد وهو خريج كلية أصول الدين بجامعة
الإمام محمد بن سعود الإسلامية، ثم ولد بعده ولد أسماه الوالد يوسف وقد توفي مباشرة
جعله الله شفيعاً، وآخرهم الأخ نصار وهو خريج كلية أصول الدين بجامعة الإمام محمد بن
سعود الإسلامية، حفظهم الله جميعاً وألف بين قلوبنا وجمع شملنا على طاعته ورزقنا بر
آباءنا أحياء وأمواتًا.
ثانيا:˝ تنقله بين مساكنه في الرياض:
لم يكن الوالد في بداية إقامته في الرياض يملك بيتاً، فقد كان يستأجر كل فترة من
الزمن بيتاً في أماكن متفرقة، فأول بيت استأجره الوالد في الرياض كان في حي معكال،
ويقع بجانب بيت الخال عبدالرحمن المحمد، وبالقرب من بيوت بعض الأقارب منهم إبراهيم المحمد العبد العزيز، وصالح البراهيم الأحمد، وإبراهيم العبد الله، ولم نطل البقاء في هذا البيت لكونه صغيراً فخرجنا منه بعد مرور سنة فقط، فاستأجر الوالد بيتاً آخر بالقرب من بيت الحميدي، ومكثنا فيه عدة سنوات، ثم خرجنا منه إلى بيت ثالث قريب من حي جبرة وشارع الأعشى، ولم نلبث طويلًا فيه حتى خرجنا منه، وعاد الوالد لاستئجار بيت في حي
معكال قريب من بيت ابن العم عبد العزيز البراهيم غفر الله له ورحمه، ومن بيت الشيخ
حمود العقلا رحمه الله، وهذا البيت هو الذي جاءنا فيه نبأ الحريق الذي حصل على أسرة ابن العم حمود البراهيم الحمود غفر الله له، وزوجته عمتي لولوة حفظها الله وكان فاجعة من

الفواجع التي لا تنسى، حيث مات في هذا الحريق ابن العم حمود البراهيم وأمه وأختيه مزنة
ولولوة، وابنه عبد العزيز وابنته مها، غفر الله لهم جميعاً وكتبهم في الشهداء، وسلمت منه
عمتي لولوة حفظها الله.
ثم انتقلنا بعد ذلك إلى بيت قريب من دخنة، وهو داخل الآن في توسعة المحكمة
الكبرى والمنطقة المحيطة بها، وبعد أن خرجنا منه انتقلنا إلى حي كان يسمى سابقاً دويرة سلام، واستأجر فيه الوالد بيتاً لعبدالرحمن بن حمود المديهش رحمه الله، وقد بنى بيتين سكن أحدهما وأجر الآخر، فاستأجره الوالد وكنا أول من سكنه، وممن سكن بالقرب منا في هذا الحي أبناء عبدالرحمن المديهش إبراهيم وعبدالله وعبدالعزيز، وابن العم فهد البراهيم، ومحمد بن إبراهيم الجوعي وأخيه عبدالرحمن، غفر الله لهم جميعاً.
ثم اشترى الوالد أرضين في حي الحبونية الذي يقع شرق مستوصف عتيقة وبنى عليهما بيتين، فانتقلنا إليهما في عام 1385)هـ( أو 1386)هـ(، وعشنا فيهما حتى خرجنا منهما إلى حي الشفاء.
في عام 1404)هـ( بنى الوالد بيتين كبيرين بحي الشفاء، وكانتا في ذلك الوقت تحفة
معمارية فريدة، ومعلماً متميزاً ولافتاً، لكبر مساحتهما وجودة تصميمها وجمال منظرهما،
وكم رأينا عدداً من الناس يأتون لمشاهدتهما، حيثكان الوالد رحمه الله لا يختار ولا يشتري من الأشياء إلا أجودها وأفضلها ولو كلفه ذلك مبلغاً أعلى، ولا أذكر أنه اشترى شيئاً رديئاً لرخص ثمنه فقط.
وكان ممن سكن حي الشفاء من الأقارب والجماعة، العم محمد بن عبد العزيز الحمود، رحمه الله تعالى، وابن العم والخال عبدالعزيز بن عبد الرحمن بن محمد الحمود وأخيه محمد،

وابن العم محمد بن عبد العزيز البراهيم، وابن العم عبد الرحمن بن عبد الله المحمد، رحم الله من مات منهم وحفظ من بقي.

ومحمد البراهيم الجوعي،

عبد الله العبد الرحمن المديهش،

ومن أسرة الحمادى،

والفراج، وتوفي الوالد رحمه الله وهو ساكن في هذين البيتين.

القسم السادس: ذكرياتي مع الوالد:
عشت مع الوالد غفر الله له قرابة نصف قرن من الزمن، ولا شك أن هذه السنوات التي قضيتها بصحبته كانت ممتلئة وحافلة بالذكريات والمواقف والأحداث، سأشير إلى بعضها لصعوبة ذكرها كلها:
أولها: أن الوالدكان متابعاً وبشدة لمجريات الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية،
وربما أن لسفره للحجاز ومخالطته أهلها هناك ومعايشته لثقافات مختلفة أثرها البارز على
هذا الجانب من جوانب حياته، كذلك مجالسته لبعض المشايخ والأقارب من ذوي الخبرة أكسبته الكثير من المعلومات والحقائق، وفتحت ذهنه على أمور كثيرة ليست بتلك الأهمية عند غيره.
●فأذكر لما قامت الهند والاتحاد السوفيتي بالحرب على باكستان من أجل فصل
باكستان الشرقية عن باكستان الغربية، ولا شك أنَّ قيام هذه الدول ومعها أمريكا، سيؤدي
إلى التسلط على المسلمين، لأنَّهما دولتين كبيرتين متحدتين بمسمى واحد، فأرادوا نزع
الهيمنة عن هذه الدولة، وتم انفصال باكستان الغربية عن باكستان الشرقية، وُ¸سّميت بعد ذلك بنجلادش.
فكان رحمه الله يتابع هذه القضية باهتمام بالغ وكذلك غيرها من القضايا والحوادث
التي تحصل في العالم وفي الدول العربية والأجنبية، ولم يكن ينفك عن الاستماع إلى إذاعة
لندن، حيث كانت الإذاعة الوحيدة في ذلك الوقت التي تذيع أخبار العالم كله، سواء كانت برامجها الإخبارية أو ما سواها من برامج، فتحصلت لديه خلفية كبيرة عما يجري في العالم هنا وهناك.

●وفي بداية الثمنينات الهجرية دعى الوالد فضيلة الشيخ عبدالرحمن بن محمد
الدوسري وخاله حمد البراهيم اليحيى وبعض المعارف إلى العشاء في منزله، وكان الفكر
القومي الناصري حينها منتشراً في العالم العربي والإسلامي، ويتزعم هذا الفكر جمال
عبدالناصر رئيس جمهورية مصر آنذاك، ويوجد في بلادنا من يؤيد هذا الفكر ويتبناه، فكان الوالد رحمه الله وكثيرون مثله ضد هذا التوجه، فالشيخ عبدالرحمن الدوسري رحمه الله نظم قصيدة في ذم الفكر القومي الناصري، وأثناء جلوسهم مع الوالد طلب منه أن يلقيها لكنه امتنع خشية أن لا تحفظ وتضيع، وقال إلا إذا سجلت، ولم يكن عند الوالد حينها مسجلًا،
فأرسل الوالد ابن العم عبدالرحمن المحمد العبد العزيز لشراء مسجل من الحراج الذي يقع
خلف الجامع الكبير بالرياض، فاشتراه وأتى به، وكانت المسجلات القديمة ليست بالتطور الذي حصل لها لاحقاً، لا من حيث الجودة ولا صفاء الصوت ولا حتى سهولة الاستخدام،
وسجل الشيخ عبدالرحمن القصيدة فَسُرَّ بها الوالد كثيراً، لأنها توافق منهجه في العداء
للقوميين والناصرين، وصار يُسْ ¸معُهَاكل من أتى إليه، وممن أذكر أنه استمع إليها عبدالرحمن البراهيم الجوعي على شدة تحرزه من الاستماع إلى مثل هذه الأجهزة رحمه الله.
●ولما ابتدأت حرب الخليج الثانية التي غزا فيها العراق الكويت، في يوم الخميس
الموافق للحادي عشر من محرم سنة إحدى عشر وأربعمائة وألف، الموافق 1990/8/2)م(، كان رحمه الله يستمع باهتمام بالغ إلى إذاعة لندن وغيرها من الإذاعات الأجنبية التي تبث باللغة العربية، ويتنبأ بما سيحصل ويحلل الأحداث حسب ما يراه، وكثيراً ما تصدق توقعاته رحمه الله، وأذكر أن محمد البراهيم الجوعي رحمه الله -وكان من جيران الوالد في حي الشفاء- قال له يا أبا علي لو كنت تعرف اللغة الإنجليزية لربما استمعت إلى إذاعات العالم كلها،

وذلك لأنهم عندما يحضرون لمجلس الوالد يبدأ يسرد عليهم مستجدات الحرب وتطوراته وتوقعاته.
ثانيها: معرفته بالأنظمة التي تصدر من الجهات الحكومية فيما يتعلق بممارسات
الحياة الاجتماعية والاقتصادية، وكذلك التامة بمراتب ودرجات الموظفين الحكوميين سواء
كانوا رسميين أو مستخدمين، بالرغم من كونه لم يتوظف في وظيفة حكومية قط.
ثالثاً: دقة فهمه للحساب والقسمة، وهذا من ذكاءه وفطنته رحمه الله، فمن خلال
قراءته للقرآن عرف من يرث بالفرض ونصيب كل واحد منهم، وكذا كان يسأل بعض
المشايخ عنها حتى استقرت عنده، فكان إذا سئل عن مسألة فرضية قسمها بكل سهولة، ولاشك أن مسائل هذا العلم ليست باليسيرة فلم يكن يتقنها إلا من درس في التخصص الشرعي من طلاب المعاهد والكليات الشرعية، وكذلك المسائل الحسابية كان حاذقاً فيها وبمهارة عالية.
رابعاً: توَّج هذا رحمه الله تعالى بقراءته في كتاب "البداية والنهاية" لابن كثير، ففي
إحدى سفراتنا إلى مكة قال لي: أرغب شراء كتاب "البداية والنهاية"، وهو حينها قد تقدم به السن قليلًا فمررنا مكتبة في مكة واشتريناه، وكان يقول:كنت أستمع إلى الشيخ صالح البليهي وهو يقرأ على الشيخ صالح الخريصي رحمهم الله جميعاً في مسجد الشيخ صالح
الخريصي، فإذا قام الطلاب وذهبوا وانتهوا من قراءة المتون في التوحيد والفقه وغيرها، لا
يبقى إلا الشيخ وبعض الأفراد الكبار، فيقرأ عليهم الشيخ صالح البليهي رحمهم الله تعالى
من كتاب "البداية والنهاية"، فيقول: كنت استمتع بأخبار هذا الكتاب، وقد لاحظت
فعلًا أن الوالد يستمتع استمتاعاً منقطع النظير حين قراءته، فكثيراً ما أدخل عليه وما إن
أجلس عنده حتى يبدأ بذكر ما قرأه في هذا الكتاب، وعندما يحين وقت الصلاة وهو يقرأ

فيه فإنه يعود لقراءته مباشرة بعد الانتهاء من الصلاة فرضها ونفلها، ومن قراءته أتقن رحمه
الله تعالى سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وسيرة الصحابة والخلفاء، وخلفاء بني أمية،
وأول خلفاء بني العباس وعرف ترتيبهم متسلسلًا.
خامساً: مما أذكره أنه كان معجباً بحياة الناس في مكة وكيف أنهم يعيشون بسعة وانبساط وجودة وتنوع في الأكل مع انخفاض في السعر مقارنة بالرياض.
●كما أذكر أنه رحمه الله محب للشاي جداً، ويذكر هذا عن نفسه كثيراً، وحكى مرة أنه ذهب في مكة إلى أحد المقاهي لشرب الشاي، وكان عندهم ما يسمونه "براد" )إبريق( ما يسمى بالإبريق وهو على نوعين براد "أبو عشرة" وبراد "أبو خمسة" ويعنون به عشركاسات وخمسكاسات، فيقول طلبت براداً من "أبو عشرة" وشربته كاملًا حتى انتهى واستحييت أن أطلب آخراً، فخرجت إلى المقهى الذي بجواره وطلبت براداً جديداً فشربته أيضاً.
وذكر مرة أيضاً: أن سرح بغنم للعييري بالوطأة فأعطوه نصف ريال، فاشترى به سكر وشاي، وذهب به إلى أهله في الأميه.
وكانت الوالدة أمد الله في عمرها على طاعته تقول كان إذا استيقظ من النوم في رمضان يسألني: "أنت أسقيت علي وحصة من الشاهي؟" مما يجده من حب للشاي يظن أن الجميع مثله رحمه الله.
●ومما أذكره أيضاً أنه محب للتمر جداً بجميع أنواعه ولكنه يفضل بعضها على
بعض، ومن القصص في هذا أن المديهش أرسلوا ما يسمى بـ"المطبقية" وهو إناء فيه تمر
لقيط وكان ذلك في نهاية موسم التمر وبدء الجداد، فأكل منه بعض التمرات وطلب الاحتفاظ بالباقي لقادم الأيام يأكله على فترات، فزاره ابن العم محمد البراهيم وقدم له هذا

التمر فبدأ بالأكل منه، ولما شعر الوالد أن التمر سينتهي شاركه في الأكل منه حتى انتهى ولم يبق تمرة واحدة.
ويذكر الأخ عبدالرحمن أنه سافر بالوالد للقصيم فمروا بعنيزة واشتروا من التمر
الكويري والذي يسمى بالرياض الدخيني، وهو يحب هذا النوع من التمر أكثر من غيره، حتى إن عبدالله المديهش أمد الله بعمره على طاعته لما وضع له مزرعة في الحائر قال للوالد: "يا أبو على ترى حطيت أربع نخل دخيني علشانك تجي عندي وتاكل منهن"
أقول لما سافر الأخ عبدالرحمن بالوالد للقصيم واشتروا التمر الكويري، أخذ محفراً من
المحافر الصغيرة ووضعه عنده وبدأ يأكل منه من عنيزة حتى وصلوا إلى البيت في الطرفية،
وحين وصلوا لم يبق فيه تمرة واحدة.
●كما كان الوالد رحمه الله يجيد السباحة، فروى مرة أنه لما كان يذهب إلى الدمام لشراء البضائع وقف عند البحر وغسل ثوبه، وقرر أن يسبح في البحر ريثما ينشف الثوب،
وكان في البحر رياح شديدة، فيقول لما دخلت البحر بدأت الرياح تقذفني بعيداً، وكلما
حاولت الرجوع إلى الساحل أعادني الرياح إلى الخلف مرة أخرى، حتى ألهمني الله الغوص تحت الماء والسير نحو الساحل وبحمد الله نجوت بفضله من غرق محقق.
سادساً: من القصص التي رواها رحمه الله أنه قال: في يوم كنا مخيمين أنا ووالدي
ووالدتي وبعض إخوتي الصغار، وبعد العشاء لما حل الظلام مرت بنا سيارة فيها ثلاثة ركاب، فسألونا عن طريق حائل، فدلهم والدي على الطريق الموصل إلى حائل، فذهبوا وما لبثوا قليلًا حتى عادوا مرة أخرى وقالوا: نبشرك إن الملك عبدالعزيز انتصر على الإخوان في
معركة السبلة، ونحن ذاهبون نبشر ابن مساعد أمير حائل بالانتصار، قال والدي: بشركم
الله بالخير.

سابعاً: أنه كان يذكر جده إبراهيم العلي ويروي عنه بعض المواقف، في أحد الأيام
حكى عنه أنه أراد أن يتدين أي يأخذ دين سلم من البسام بعنيزة، فطلبوا منه أن يأتي
بكفيل، فذهب إلى سليمان المحمد وأخيه عبد الرحمن "العقماء" رحمهم الله جميعاً، وقال:
اكفلوني عند البسام، فكفلوه، فلما ذهب إلى البسام قالوا: كم المبلغ الذي تريده؟ قال:
أريد ألف ريال، والألف في ذلك الزمن يعد مبلغاً كبيراً جداً جداً، فلما علم سليمان وعبد
الرحمن بمبلغ الدين تضايقوا جداً، وقالوا: خسرنا إبراهيم العلي، فحزت هذه الكلمة في
خاطره، ولما انتهى موسم الحصاد، أراد أن يسدد للبسام الدين الذي عليه لهم، فأتى بمائة
بعير يحملون العيش، ثم ساقها إلى عنيزة، وانتظر حتى يخرج الناس من صلاة العصر،
فأدخلها إلى أسواق عنيزة وانبهر النَّاس من تتابع هذه الإبل المحمَّلة بالعيش، وبدأوا يتساءلون عن صاحبها فأخبروا بأنها إبل إبراهيم العلي القصير، سار بها حتى وصل إلى البسام فسلم عليهم وقال تعالوا واستلموا العيش.
ومما حكاه عن جده أنه كان إذا أتى إلى بريدة هو وابنه علي ومروا من طريق
"الصنانيع" وهم من يعلمون بالصناعة، يقوم واحداً منهم ويسلم عليهم بحرارة ويستقبلهم
بحفاوة يتعجب لها كل من سمعها ويلح عليهم بشرب القهوة عنده، وفي كل مرة يمرون به يفعل الشيء نفسه، فيرفض الجد ويقول نحن الآن على عجلة من أمرنا ولعلها تكون المرة القادمة، فقال له ابنه علي لماذا لا تجعلنا ندخل عنده ويضيفنا؟ قال له لو ضيفك لما استقبلك مرة أخرى بهذه الحفاوة، وحفاوته لنا أحب إلينا من القهوة.

القسم السابع: مرضه ووصيته ووفاته
عانى الوالد رحمه الله في حياته من عدد من الأمراض التي أدخل على إثرها المستشفى، أبرزها:
إصابته بجلطة في القلب كان ذلك أثناء بنائه لبيتيه في الشفاء، فأدخل العناية المركزة في مستشفى الشميسي، ووضع تحت الأجهزة، حتى رأيت آثارها على صدره فيما بعد، وبقي في المستشفى عدة أيام ثم خرج منه وصرف له علاج للضغط.
ثم أصيب بجلطة وكانت بالدماغ، وأدخل أيضاً العناية المركزة في مستشفى الشميسي، ولم يمكث طويلًا ثم خرج بفضل الله، كذلك أصابته جلطة ثالثة ولكنها كانت خفيفة ولم يمكث في المستشفى إلا مدة قليلة.
بعد ذلك أصيب بجلطة رابعة في رمضان، وكنت مع الوالدة وبعض الإخوان في
مكة، فعدنا مسرعين إلى الرياض ولازمناه، ولما كان في المستشفى منوماً بسبب الجلطة على إثر تناوله علاج الضغط مرتين لشدة حرصه على العلاج، وقد توقع الطبيب المشرف على حالته أن يحصل نزيف عنده بالأنف ولكنه لم يحصل بحمد الله، وهذه الجلطة أثرت عليه
رحمه الله حيث حصل عنده شيء من الارتخاء البسيط في الجانب الأيسر، ولم يعقه عن
الحركة والمشي، وبعدها أصبح أنفه ينزف بين الفترة والأخرى، حتى ذهب إلى الدكتور
العقيل وهو استشاري أنف وأذن وحنجرة فقام بكي أنفه ثم توقف عن النزيف بحمد الله.
كما أنه أجرى عدد من العمليات، منها: عملية القسطرة أجراها في المستشفى
العسكري مرتين، وكانت عملية القسطرة في السابق ليست كالآن، تجرى للمريض في يوم
ويخرج مباشرة، بل كان المريض يدخل قبلها بيوم لإجراء الفحوصات ولا يخرج إلا بعدها بيوم أو أيام.

وكذلك أجرى عملية بروستات بمستشفى الملك خالد الجامعي، أجرها له الدكتور صلاح الفقيه، وكانت ناجحة بفضل الله.
وفي مستشفى الملك خالد للعيون أجرى عملية لسحب الماء الأبيض، دخل قبل
العملية بيوم وخرج بعدها، وأجرى العملية وهي أيضاً بمنة من الله تكللت بالنجاح.
وقدكان يعاني أيضاً من فتق في السرة أو ما يسمى بـ "البعج"، فقُ ّ¸رر له إجراء العملية،
ولما حان موعدها كان الطبيب غير موجود فأجل الموعد ولم يخضع لها، وظل يعاني من
آلامه حتى وفاته رحمه الله.
هذه أبرز الأمراض التي أصيب بها الوالد، ولا أذكر تواريخها تحديداً.
أمَّا مرضه رحمه الله الذي مات فيه، فبدأ تقريباً من عام 1430)هـ( وحينها قد كبر
وهرم وتأثر جسمه بسبب الأمراض التي ذكرتها سابقاً، لكنه كان متماسكاً عقلياً مدركاً تماماً لما يدور حوله، أما جسمه فلم يعد يقوى على الحركة الكثيرة والمشي، فأقعده ذلك
عن حضور الصلاة في المسجد، فكان يصلي به الأخ عبدالرحمن وبعض الإخوان وفقهم
الله بالبيت، ولما دخلت السنة 1431)هـ( ازداد عليه التعب والضعف وبدأت الذاكرة تبعاً
لذلك بالنقصان التدريجي، حتى إنه ما استطاع الصيام في رمضان تلك السنة، وهو أول
رمضان يمر عليه بلا صيام، فقد كان في السنوات التي قبلها يصوم رغم تعبه وكبر سنه
ومشقة الصيام عليه، مرت أيام هذه السنة وكل يوم يزداد فيها ضعفه، حتى حلت سنة 1432)هـ( وفيها بدأ الضعف والتعب يشتدان أكثر، وفي إحدى الليالي كنت وبعض إخوتي عنده بعد صلاة المغرب على عادتنا، فلما أقيمت صلاة العشاء خرجنا من عنده
لكونه يتعشى مبكراً وينام فصلينا ثم ذهبنا لمنزل الوالدة، وفي أثناء جلوسنا عندها حضر
إلينا أحد الإخوة وأخبرنا أن الوالد تعب فنقلناه مباشرة إلى مستشفى الحمادي، فلم تكن

حاله بأفضل مما كان عليه في البيت، حيث امتنع عن الأكل والشرب نهائياً، حتى التمر
الذيكان شغوفاً به كان إذا أدخل في فمه لفظه وأخرجه، ورفض العلاج رفضاً قاطعاً، ولا
شك أن هذا مما زاد في ضعفه، وكان الأطباء يطلبون منا إخراجه لعدم جدوى بقائه،
وبالفعل أخرجناه من المستشفى بعد أن بقي فيه قرابة الأسبوعين، وأحضر له ممرضة خاصة
لمتابعة وضعه الصحي بدقة، وكنا متفقين على أن يبقى في البيت فقط في نهاية الأسبوع،
ثم يعاد إلى مستشفى آخر بداية الأسبوع الثاني، ولكن الأجل كان أسرع.
ففي صبيحة يوم الجمعة وقبيل صلاة الجمعة بساعة تقريباً فاضت روحه إلى بارئها وانتقل إلى الرفيق الأعلى وهو على سريره، كان ذلك في السابع عشر من شهر صفر في عام اثنين وثلاثين وأربعمائة وألف للهجرة، فاستدعينا الإسعاف للتأكد من وفاته وإكمال الإجراءات اللازمة، فأكدوا لنا وفاته ونقلوه إلى مستشفى الشميسي وفيه كتبوا تقرير وفاته غفر الله له ورحمه وجمعنا به في فردوسه الأعلى.
وفاته رحمه الله تعالى:
كان لخبر وفاته رحمه الله أثراً عميقاً في نفوس أقاربه ومحبيه وجيرانه، وكلُّ من يعرفه، فضلًا عن أهل بيته من زوجاته وأبنائه وبناته وأخواته وأحفاده، فقد أحسَّ بوقع المصيبة كلُّ
فرد منهم، واستشعروا رزية فقده، وتألموا لفراقه كثيراً، وما فتئت ألسنتهم عن الدعاء له
والترحم عليه، وتذكر خصاله ومحاسنه، واستعصى الدمع عن القرار في محاجرهم، لعلمهم
بأنَّ رحيله سيترك فجوة كبيرة لا تُسَدُّ.
وقد كانت وفاته رحمه الله في يوم الجمعة الموافق 1432/2/17)هـ( قبيل صلاة
الجمعة بساعة، وصلي عليه في جامع الراجحي بعد صلاة العصر من يوم الجمعة ودفن في مقبرة النسيم، وقد حضر الصلاة عليه وتشييع جنازته ودفنه جمع غفير من النَّاس من داخل

مدينة الرياض وخارجها،كتب الله أجرهم، رغم قصر المدة بعد إعلان وفاته والصلاة عليه، حيث لم يُعلن عن وفاته إلا بعد صلاة الجمعة تقريباً بنصف ساعة أو أكثر، وصُلّ¸ي عليه
في المقبرة أكثر من مرة، وكان النَّاس يعزي بعضهم بعضاً، فهو ليس فقيد أسرته فقط، بل هو فقيد للعائلة كلها، واستمر النَّاس بالتوافد على المقبرة حتى قبيل غروب الشمس، حتى إنَّ فضيلة الشيخ عبدالله بن سليمان العميريني رحمه الله سأله أحد الناس بقوله: من الشيخ
المتوفى؟ وذلك لشدة تعجبه لما رأى هذا الجمع العظيم الذي وفد للصلاة عليه، لاعتقاده
أنَّ مثل هذا المنظر المهيب لا يكون إلا بفقد عالم، أو عَلَم من أعلام العصر،كما أنَّ بعض الأعمام النابهين قد سألني لما جاء للتعزية من الغد، قال: هل أدركتكم صلاة المغرب وأنتم
في المقبرة لعلم مكانة الوالد في نفوس الآخرين، فذكرت له أننا خرجنا منها قبيل غروب
الشمس بنصف ساعة تقريباً، وممن حضر للصلاة عليه كثير من الأقارب والمشايخ والوجهاء كتب الله أجرهم، وشكر سعيهم، وأذكر منهم كثير من الأقارب، منهم من جاء من خارج الرياض،
وحين عدنا إلى منزل الوالد وجدناه قد امتلأ بالمعزين الذين سبقونا وكانوا بانتظارنا
ولما رأينا كثرتهم من رجال ونساء، قسمناهم فجعلنا الرجال في البيت الشمالي، والنساء في البيت الجنوبي، وكان الناس يتوافدون بكثرة رجالًا ونساء طيلة الثلاثة أيام كاملة، جزى الله
خيراً كل من حضر للصلاة عليه، أو شيَّعه إلى المقبرة، أو عزانا فيها، أو في البيت، أو
اتصل بي للتعزية أو بأحد إخوتي ومن دعا له بظهر الغيب، فأسأل الله سبحانه وتعالى أن
يجزل لهم المثوبة، وأن يجزاهم عنَّا خير الجزاء، وأن يثقل بصنيعهم ميزان حسناتهم، ويرفع
قدرهم، ويشكر سعيهم، ويغفر لوالدي، ويرحمه، ويجمعنا به في عليين، اللهم آمين.

أما وصيته رحمه الله فقد أوصى أنَّه بعد موته أن تُباع بيوته التي في حي الحبونية،
وتُجعل له في مسجد، فنفذت الوصية وبيعت البيوت، ووضعت له في مسجد، تقبله الله
سبحانه وتعالى منه، وأجزل له المثوبة، وهو لم يوص بُخم „س أو غيره كما يفعل بعض النَّاس،
وإنَّما أوصى ببناء المسجد لما له من فضل عظيم معلوم، ولعلمه أولًا بأن وصيته ستنفذ. كما أنه على يقين بأنَّه قد خلّف ذرية من أبناء وبنات صالحين يقومون بالدعاء له،
والذكر الحسن، ويشركونه في ضحاياهم، أو يفردون له أضحية خاصة به، ويتصدقون عنه،
فليسوا بحاجة إلى من يوصيهم، هذا ما أحسبه من الإخوان والأخوات جميعاً، ولا أزكي على الله أحداً.
وقد سجلت هذه الترجمة في عصر يوم الجمعة، الموافق /1)صفر1442/هـ( في ساعة
أرجو الله أن تكون ساعة استجابة، فاللهم اغفر لوالدي ولوالديه، ووالد والديه، ولذريته،
وأهل بيته وإخوانه وأخواته، وأقاربه وقريباته، وجميع إخواننا المؤمنين والمؤمنات، والمسلمين
والمسلمات، الأحياء منهم والأموات، واجمعنا اللهم به في فردوسك الأعلى مع النبيين
والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقاً.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين
وصل الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

من مذكراته ومحطات حياته

سيرة أبيه محمد بن ابراهيم العلي القصير


ترجمة الجد محمد بن إبراهيم بن علي القصيّر رحمه الله
ترجمة أولية قابلة للزيادة والنقصان

كتبها حفيده:
علي بن إبراهيم القصير

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين نبينا محمد صلى الله عليه وسلم. أ ما بعد:
فقد طلب منِّ ابن العم مهند بن عبد الرحمن بن عبد الله -ممثل العائلة في أسرة الحمادى- أن أكتب ترجمة للجد محمد بن إبراهيم، وللوالد إبراهيم بن محمد رحمهما الله رحمة واسعة، وهذا الطلب وإن جاء متأخراً إلا أن فكرة تسطير وتخليد سيرتهما كانت حاضرة الذهن منذ زمن ليس بالقريب، ولكن لظروف شتى لم استطع إخراج هذه الفكرة إلى حيز التأليف والكتابة، فرأيت بعد أن طُلبت من ألا مناص من ذلك، فاستعنت بالله وبدأت أحث ما تبقى من معلومات وأخبار وذكريات عالقة في الذهن بعضها مما شافهن بها الجد بنفسه
وحضرته وشهدته وسمعته، وبعضها الآخر مما حدثن به والدي عن والده عليهما رحمة الله، وجزء منها استقيته
من جدتي هيا بنت محمد بن حمود القصير رحمها الله، وكذلك من بعض العمات حفظهن الله.
والحقيقة أن ما سأدونه في هذه الترجمة لا تفي بكل جوانب حياته ولا بكامل تفاصيل أحواله، وإنما
سأقف على شذرات في مولده ونشأته ورحلاته وأبنائه وتجاراته وما كسب، والسبب في ذلك يعود لأمور: أولها: أنن في السابق -إبان حياته رحمه الله- لم يدر بخلدي ولو لحظة واحدة أنن سأكتب ترجمة له،
ولذا فإنن لم أكن استقصي كامل المعلومات ولم استوف إجابات الأسئلة التي طرأت علي الآن وأنا أكتب في ترجمته.
ثانيها: وفاة والدي –رحمه الله- قبل قرابة العشر سنوات، وهو مصدر مهم ومورد عذب يمكن أن يستقى منه الكثير من تفاصيل حياة والده.
ثالثها: ضياع كثير من الأوراق والمستندات الثبوتية والتي تحوي كثيراً من التواريخ والأحداث المهمة، وكان مما فقد وله أهمية بالغة ما كان يسمى سابقاً بـ"التابعية" ورغم أنه لم يوضع له صورة فيها، لما كان معروفاً سابقاً من إعفاء المشايخ والطلاب العلم من الصور، إلا أنها تعد وثيقة مهمة لمعرفة تاريخ مولده –رحمه الله.-
وقد رأيت أن أقسم الترجمة إلى أقسام على النحو التالي: الأول: اسمه وكنيته و مولده ونشأته.
الثاني: أعماله.
الثالث: طلبه للعلم ومشايخه. الرابع: رحلاته.
الخامس: أعماله الدينية.

السادس: مكتبته. السابع: عبادته. الثامن: صفاته.

وكذلك ما يرويه والدي إبراهيم عن

بعض الأخبار التي ذكرها الجد عن والده رحمه الله تعالى،

التاسع:

والده رحمه الله تعالى من أحداث وأمور. العاشر: إخوانه.
الحادي عشر: زوجاته. الثاني عشر: أولاده. الثالث عشر: وفاته.

القسم الأول: كنيته واسمه ومولده ونشأته كنيته واسمه:
يكنى بأبي إبراهيم، واسمه محمد بن إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي.
والده:
إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن علي بن محمد الحميدي –رحمه الله.-
والدته:
منيرة بنت نصار بن علي الغانم –رحمها الله.-
مولده:
ليس هناك ما يثبت تاريخ مولده تحديداً، لا كتابةً ولا سماعاً، ولكن التاريخ التقريبي لمولده من سنة خمس عشرة وثلاثمائة وألف 1315)هـ( وهذا التحديد يرجع إلى سببين:
السبب الأول: أ ن بعض الأعمام كانوا أكبر منه سنّاً، ومنهم خال الوالد عبد الرحمن بن محمد بن
حمود، والعم محمد بن أحمد بن إبراهيم، وقد كان مولدهم تقريباً سنة اثنتي عشرة وثلاثمائة وألف 1312)هـ(، وهم أكبر من الجد –رحمهم الله جميعاً-
السبب الثاني: أ ن مؤلفكتاب "علماء آل سليم وتلامذتهم" ذكر أ ن الجد من تلاميذ الشيخ محمد بن
عبد الله بن سليم رحمه الله المتوفى سنة ست وعشرين وثلاثمائة وألف 1326)هـ(، والغالب أن الذي يبدأ
بطلب العلم في ذلك الوقت وقبله يكون عمره عشر سنوات فأكثر، والله أعلم.
نشأته:
نشأ الجد بين أحضان والديه، فتر بَّ تربيةً صالحةً على الإيمان، وأداء العبادات، والحرص عليها منذ صغره وشبابه، وكان ملازماً للعبادات، وعاش على الصدق، وحبِّ الخير، والكثير من السجايا والخصال الحميدة.
ولم ا بلغ سن التمييز تلقى القرآن، وج وده، ولا أعلم من قرأ عليه، أو ج ود القرآن على يديه، وإن كان
الق راء الذين كان يُقرأ عليهم في ذلك الوقت معدودين ومعروفين، ومنهم: الشيخ صالح بن محمد الصقعبي،
وكانت له مدرسة قد اشتهرت في ذلك الوقت، وتوارد عليها عدد من الق راء، ولا أدري هل قرأ الجد في هذه المدرسة أو في غيرها، أو حفظ القرآن ودرس في غير بريدة، وإ نما هي معلومات نتوجسها، والعلم عند الله.
وكانوا إذا قرءوا القرآن يتعل مون معه الإملاء، وتجويد الخط، والحساب.
ولما بلغ سن التمييز توفي والده وكان ذلك قبل سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة وألف 1321)هـ(، فتولت تربيته والدته منيرة بنت نصار بن علي الغانم رحمها الله تعالى، ومما يدلُّ على ذلك: الوثيقة التي فيها أ ن علي

بن إبراهيم -وهو أخ للجد محمد بن إبراهيم، وكان وصي والده إبراهيم العلي- و كل عبد العزيز بن سليمان
العجلان ببيع نصيب المصغرين-والمصغرين هم الجد وإخوته الأشقاء عبدالله وسليمان وكذلك أخوهم الغائب
عبدالرحمن- وهذه الوثيقة كتبها صالح بن فرناس1في خمس وعشرين من ذي الحجة سنة إحدى وعشرين
وثلاثمائة وألف 1321/12/25)هـ(، فيظهر من هذه الوثيقة أن إبراهيم العلي قد توفي قبل هذا التاريخ،
وكان الجد محمد حينها في سن التمييز رحمه الله تعالى.
ومما يذكر في نشأته أنه قد كان رحمه الله وإخوانه ومن في طبقتهم ودرجتهم من أبناء عمهم يأتيهم سبيل،
أي: وقف من أوقاف آل محمد أبناء عمومتهم، وخصوصاً عبد الرحمن بن محمد، وآل محمد هم: إبراهيم،
وسليمان، وعبدالرحمن –رحمهم الله- وكانوا يُس مون بـ "العقماء" وقد أنعم الله تعالى عليهم بأملاك من نخيل
وغيرها، وكان عبد الرحمن قد سب ل ثلثه لمصارف الخير، وعلى الأقارب من الورثة، وكان ينال الجد محمد وإخوانه
وبن عمومتهم نصيبهم من هذا السبيل، وهو التمر الذي في الأميه، والصبخة التي بالبصر، والعيش الذي
يأتيهم من مفرحة.2






























1 هكذا ورد الاسم في الوثيقة وربما يكون "قرناس." 2 أرض موجودة بأمهات الذيابة حول البكيرية..

القسم الثاني: أعماله
لما قارب البلوغ بدأ –رحمه الله- يمارس أعماله التجارية، وفي الوقت نفسه بدأ بطلب العلم على المشايخ، وكانت المعيشة حينها لم تُبسط كما بُسطت لنا، ولا سيما أ ن والده توفي وهو صغير.
وقد عاش الجد فترة الحربين العالميتين الأولى والثانية، وكانت دول العالم كلها قد تأثرت جراء هذه
الحروب، وكما هو معلوم فإن الحرب العالمية الأولى قد بدأت في 1332/9/5)هـ( الموافق 1914/7/28)م(، وانتهت في 1337/2/8)هـ( الموافق 1918/11/11)م(، أي: أنها استمرت قرابة خمس سنوات، وأ ما الحرب العالمية الثانية فاستمرت ست سنوات، حيث بدأت في 1358/7/17)هـ( الموافق 1939/9/1)م(، وانتهت في 1364/9/25)هـ( الموافق 1945/9/2)م.(
رحلته إلى الكويت للتجارة:
أول الأعمال التي بدأ بها رحلته للتجارة كانت إلى الكويت، حيث امتهن مهنة الغوص ولكنه لم يمكث
طويلًا –وسيأتي الحديث عن هذه الرحلة لاحقاً- وبعد عودته من هذه الرحلة تزوج، وكان زواجه تقريباً في
سنة 1338)هـ( أو 1339)هـ.(
تجارة الإبل:
بعد رجوعه من الكويت بدأ يعمل بتجارة الإبل بيعاً وشراء، ويدلُّ على هذا عدد من الوثائق التي
اطلعت عليها، والتي كانت من ضمن أوراقه ودفاتره التي يكتب فيها الديون، وإنكان يكتب له غيره، ويشهِّد على ذلك، ومن الوثائق التي عثرت عليها:
- أن ه باع بعيراً بخمسة وثمانين ريالًا، منها خمس وأربعون نقداً، وأربعون مؤجلة، قال: شهد على ذلك عبد الله بن سلامة، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم. حرر في )جماد الآخر عام1348هـ.(
- ومنه ما أقر به صالح المصارع بأ ن في ذمته لمحمد بن إبراهيم القصير خمسين ريالًا باقي ثمن الجمل
الأحمر، منهنّ عشرة ريالات حال ة، وأربعون مؤجلة إلى )ذي الحجة/ سنة1349هـ(، شهد على ذلك عبد الله
سليمان بن ناصر، وشهد به وكتبه عبد الرحمن بن صالح الحصان، والله خير شاهداً ووكيلًا. حرر في /1)محرم1349/هـ.(
- ومنه ما أقر به عبد العزيز بن ربيش بأ ن في ذمته لمحمد إبراهيم القصير سبعة وثلاثين ريالًا عوض ناقة، منه ن ثمانية عشر ونصف حال ة، وثمانية عشر ونصف مؤجلة إلى )جماد الأولى/ سنة1350هـ(، شهد بذلك
عبد الله العلي النجم، وشهد به وكتبه عبد الرحمن الصالح الحصان، والله خير شاهداً ووكيلًا. حرر في /8)محرم1350/هـ.(

وعبد الرحمن الصالح الحصان هو جدي من قِبَل الأم، وهذه الوثيقة حُرِّرت قبل أن يتزوج الوالد والدتي بقرابة عشر سنوات.
البيع في الدكان:
وفي سنة 1350)هـ( تقريباً افتتح –رحمه الله- دكانًا بالجردة لبيع الحبوب والتمر، ونحوهما، وربما كان يبيع بيع السلم المعروف عند أهل القصيم بالكَ˚تب، ومن ذلك:
- ما باعه على ابن صعب مائة وأربعين وزنة تمر على عقد البيع، وه ن مؤجلًا، يحلن في )رجب/
سنة1356هـ.( شهد على ذلك محمد الهلال الفدعاني، وشهد به كاتبه عبد العزيز بن محمد المضيان، والله
خير شاهداً. وحرِّر في سنة 1355)هـ.(
- وباع مائة وستين وزنة تمر، يحلن بطلوع )جماد الأولى/ عام1351هـ(، شهد به محمد العلي الدبيخي، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، وحرر في /5)شوال/ سنة1350هـ.(
- وباع بيع سَلَم حيث س لم للمدين مائة ريال بثلاثين وزنة تمر، يحلن في دخول )جماد الأولى/
عام1351هـ(، شهد على ذلك عبد الله العلي النجم، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في
/19)رجب/ عام1350هـ.(
- وأقر صالح بن محمد الحمود القصير -خال الوالد- بمائة واثنتين وأربعين وزنة تمر بثمن خمسة عشر
ريالًا، منها تسعة ونصف مؤجلًا، يحلن في )جماد الآخر/ سنة1351هـ(، شهد على ذلك عبد الله العلي
النجم، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حُرِّر في /1)رجب/ سنة1350هـ.(
- وباع إحدى وثمانين وزنة تمر بتسعة ريالات، شهد بذلك عبد العزيز بن حمود القصير، وشهد به
كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في سنة 1351)هـ.(
- وفي بعض الوثائق أ ن فلانًا أقر بأ ن في ذمته لمحمد بن إبراهيم القصير عشرة ريالات عوض عيش يحللن
)بذي الحجة/ سنة1350هـ(، وخمسة وثلاثين صاع بر لقيمي بعشرة ريالات، يحلن في )ذي الحجة/
عام1350هـ(، شهد على ذلك محمد السليمان بن حسين، وشهد به كاتبه عبد الله العلي بن سالم، حرر في /29)شوال/ سنة1350هـ.(
العمل في الفلاحة:
كما عمل –رحمه الله- بالفلاحة، فقد عمل فلاحاً في "نخل القصران" الذي بالأميه، وعمله هذا جاء بإلحاح من ولده –والدي رحمه الله- وزوجته الجدة هياء-رحمها الله- حيث طلبا منه أن يزرع ويفلح في "نخل

القصران"، ولم تكن له رغبة بذلك؛ لأ ن حالهكانت مستقيمة حينذاك، حيث يأتيه من السبيل –كما سبق الإشارة إلى ذلك-، كما أنه قد كان يعمل بالتجارة حينها.
وفيما بعد أصبح الوالد رحمه الله تعالى شريكاً له في الفلاحة، ولما بدءا بالفلاحة والقيام بشؤونها خسرا خسارة كبيرة، ولحقتهما الديون، فجلس الوالد رحمه الله تعالى سنة فقط ثم تخلى عن الفلاحة، أما الجد وزوجته فبقيا سنة أخرى.
العمل في المضاربة:
كما زاول التجارة عن طريق المضاربة في ذلك الوقت، وكانوا يسمونها البضاعة أو التبضيع، ويدلُّ على ذلك الأوراق التي فيها العقود مع الممارسين للتجارة، ومنها:
- ما أقر به سليمان بن عبد العزيز الحجيلان أ ن معه لمحمد بن إبراهيم القصير خمسة آلاف ريال بضاعة
على طريق المضاربة، شهد على ذلك عبد الله العبد العزيز النصار، وكتبه على نفسه سليمان العبد العزيز
الحجيلان. حرِّر في /2)صفر/ سنة1381هـ.(
- وكذلك ب ضعه وضارب معه مرة أخرى سليمان بن عبد العزيز الحجيلان بمبلغ أربعة آلاف ريال،
وحرِّرت في 1381/8/8)هـ.(
- كما ب ضعه وضارب معه مرة أخرى، وسل مه ستة آلاف ريال. وحرِّر ذلك في /25)شعبان/
سنة1383هـ.(
- وأيضاً ب ضعه وضارب معه مرة رابعة بخمسة عشر ألف ريال، حرِّر في 1387/5/24)هـ.(
- وكذلك سل م لأحمد إبراهيم العويد خمسة عشر ألف ريال على النصف بينهما، حرِّر في
1391/12/2)هـ.(

القسم الثالث: طلبه للعلم ومشايخه
طلب الجد محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله العلمَ منذ وقت مبكر، وتتلمذ على مشايخ بريدة الكبار والمشهورين، ومما يدل على ذلك:
أولا: أن الشيخ صالح بن سليمان العمري ذكره في كتابه "علماء آل سليم وتلامذتهم" في عدد من
المواضع عند ذكره لتلامذة الشيخ المترجم له، ومن ذلك أنه لما ترجم للشيخ محمد بن عبد الله بن سليم المولود
سنة أربعين ومائتين وألف 1240)هـ(، والمتوفى في آخر شهر ذي القعدة عام ست وعشرين وثلاثمائة وألف
1326)هـ( رحمه الله، ذكر الجد كتلميذ له برقم تسعاً وعشرين ومائة (129) في صفحة (48) من الطبعة الثانية.
ثانياا: ولما ترجم للشيخ عبد الله بن محمد بن سليم رحمه الله، والمولود سنة خمس وثمانين ومائتين وألف
1285)هـ(، والمتوفى ضحى اليوم الحادي عشر من شهر محرم لعام إحدى وخمسين وثلاثمائة وألف
/11)محرم1351/هـ(، ع د الجد رحمه الله تعالى من تلامذته برقم إحدى وتسعين ومائتين (291) في صفحة
.(94)
ثالثاا: حين ترجم للشيخ عمر بن محمد بن عبد الله بن سليم رحمه الله، والمولود سنة تسع وتسعين ومائتين
وألف 1299)هـ(، والمتوفى في يوم الاثنين الموافق ستة عشر من شهر ذي الحجة عام اثنتين وستين وثلاثمائة
وألف /16)ذي الحجة1362/هـ( رحمه الله، ذكر الجد برقم إحدى وعشرين وأربعمائة (421) في صفحة
.(160)
رابعاا: تتلمذ على الشيخ محمد بن عبد الله بن حسين أبا الخيل، ولازمه في أواخر عمره، وأطال القراءة عليه، ويعود ذلك إلى أ ن بيت الجد كان قريباً من مسجد الشيخ "مسجد العجيبة" حيث تع ين الشيخ –رحمه الله- إماماً له في سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة وألف 1343)هـ(، والمسجد قد بن على نفقة الشيخ عبد العزيز بن حمود المشيقح أحد رجال بريدة المعروفين في زمانه –رحمه الله.-
كما ذكر صاحب تاريخ أبا الخيل الأستاذ الدكتور محمد بن إبراهيم بن صالح الحسين أبا الخيل في
صفحة (109) من كتابه تلاميذ الشيخ، وع د الجد رحمه الله تعالى منهم، وقد ذكر لي والدي رحمه الله أ ن
والده كان يجلس بعد العشاء مع الشيخ محمد حيث كان يؤلِّف في كتابه الزوائد، ويجلسون بعد العشاء قرابة ساعة أو أكثر، على حسب الحال.
كما أنه –رحمه الله- سافر إلى الرياض ربما في عام 1339)هـ( لطلب العلم، والاستماع لعلمائها والأخذ عنهم والتتلمذ على أيديهم، وكان أبرزهم الشيخ سعد بن عتيق رحمه الله تعالى، وكان قاضي الرياض في وقته.

وقد ذكر الجد أنه لما كان في حلقة الشيخ سعد بن عتيق جاء منادٍ ينادي رافعاً صوته: أين محمد بن إبراهيم القصير؟ فقام وذهب إليه، وإذا معه رسالة أتى بها من أهل زوجته يخبرونه أن ه رُزق بمولود، وهو الوالد إبراهيم بن محمد القصير، وقد كان ذلك في عام 1340)هـ( أو 1341)هـ.(
وبعدما انتهى الشيخ من درسه بعد العصر وكان كفيف البصر رحمه الله، ناداني فلما اقتربت قال: من
أنت؟ قلت له: أنا فلان ابن فلان ابن فلان، قال الشيخ: ما صلة قرابتك بمحمد بن إبراهيم القصير؟ قلت
له: أخي، وأنا سميت عليه، لأن ه ذهب ولم يرجع، والوالد – أي: والده إبراهيم - سم اني عليه، فتعجب.
قال: ثم ألح عل ي بالغداء معه في بيته، ولما جاء من الغد وبعد انتهاء الدرس خرجنا من المسجد وذهبنا إلى بيته، ودخلت معه وليس معنا أحد، فلما جلسنا أتى بذبيحة، فقلت: يا شيخ! لماذا تتكلف؟ فبدأ الشيخ يبكي، وقال: فعلت هذا محبةً لأخيك محمد، وبدأ يعدِّد صفاته ومحاسنه، ثم قال: قابلته ونحن في الحرم حاجين، وسألته أين ستذهب بعد الحج؟ قال: سأذهب إلى اليمن لأتتلمذ على تلاميذ الشوكاني، وذلك بتوصية من شيخهم في الهند صديق حسن خان –رحمه الله- فقلت له: سأذهب معك إن شاء الله ، فاتفقنا على ذلك،
وبعد الانتهاء من الحج جاء إلى الرياض، وبدأنا بالمسير إلى اليمن، فلما خرجنا من الرياض وابتعدنا قليلًا
لحقن مرسول قد أرسلته الوالدة يذكر أنها تقول: قد ح رجت عليك ألا تسافر إلى اليمن، فذكرت له ذلك
وقلت لاب د أن أرجع فرجعت، أ ما أخوك محمد فقد واصل رحلته إلى اليمن.
ومما يذكر في مسيرته لطلب العلم أ ن إبراهيم الصبحاوي رحمه الله -وهو من أسرة الحمادى- قرأ على
الجد رحمه الله القرآن، وج وده عليه، ذكر ذلك الدكتور صالح القريري حيث نقله عن جد زوجته محمد بن عبدالله الناصر البرادي.

القسم الرابع: رحلاته رحلته إلى الكويت:
رحل الجد رحمه الله إلى الكويت لطلب المعيشة، والتجارة والغوص، ولما وصل إلى هناك بحث عن بيت
أخواله "السماعيل" ليمكث عندهم، وبعد أن استقر بدأ بالبحث عن عمل مناسب، فاختار مهنة الغوص،
وقد كان الغوص في ذلك الوقت أكثره في يد الرافضة الشيعة، وكانت طريقتهم أن الشخص إذا نزل البحر
وأحس باختناق أو ضيق النفس يهز الحبل الذي نزل به فيسحب مباشرة، واستمر الجد رحمه الله فترة من الزمن في مهنة الغوص.
وقد حصلت له حادثة أثناء عمله رواها بنفسه فقال: نزلت مرة في البحر ولما شعرت بضيق في النفس
هززت الحبل ليخرجن "النوخذة" كما هو معتاد، ولكنه لم يفعل! وعاودت الهز أكثر من مرة دون استجابة،
حتى رأى أحد الناس الحبل وهو يهتز فقام بإخراجي، وربما أن النوخذة فعل ذلك لما رأى من حرص الجد على تطبيق السنة.
ومما يُذكر عن نزاهته وورعه وتدينه وهو شاب أنه يقول: أول ما وصلت إلى الكويت بدأت أسأل عن
بيت أخوالي السماعيل، فما وجدت أحداً يدلن عليهم، وكانت الكويت في ذلك الوقت بلدة صغيرة، ولم
يكن هناك اتساع عمراني وسكاني، فدخلت –بدون علم- إلى مكان يُمارَس فيه أعمالًا غير مشروعة، وكانت الكويت آنذاك تحت الاحتلال البريطاني، والمستعمر يريد الإفساد في البلد بقدر ما يمكن، فخرجت إلي امرأة،
فقالت: تريد عندنا؟ وأنا أسألها: أين بيت السماعيل؟ فقالت: )تبي تدش بقران(، قلت لها: أنا أريد بيت
السماعيل، فلما أدركت بأنه ما جاء يبحث عما عندها من الفجور، قالت: "روح أنت نجدي!"
وكلمة )قران( كان الوالد يرددها ولا أعرف عنها شيئاً، حتى اطلعت على كتاب "تاريخ مشيخة الزبير
النجدية من النشوء إلى السقوط" تأليف: عبد اللطيف بن ناصر الحميدان، حيث ع رف القران في )ص(38، وقال: )هو عملة إيرانية رائجة في الخليج تساوي قرشين صاغ( تقدر بثمانية قروش رائجة.
رحلته للرياض لطلب العلم وعودته إلى بريدة:
بعد أن مكث في الرياض زمانًا لطلب العلم –كما سبق بيان ذلك- عاد إلى بريدة للبحث عن عمل للتكسب، لا سيما أ ن خلفه زوجة، وابناً قد جاء، فرجع بعدها إلى مدينة بريدة.
رحلته إلى جدة للعلاج:
أصيب –رحمه الله-بماء أبيض في إحدى عينيه، فسافر به والدي إلى مستشفى مغربي في جدة وكان
أميز المستشفيات في المملكة للعيون، فتكفل الوالد بإجراء عملية سحب الماء من عينه، وكانت العمليات

الجراحية في ذلك الوقت عسيرة متعبة، وقد طلب الطبيب بقاؤه في جدة لمعاينته والاطمئنان على نجاح العملية، كما طلب منه ألا يسجد نحواً من أربعين يوماً، وبعد العملية بقي معه والدي في جدة فترة من الزمن ثم عاد إلى الرياض وبقي الجد عند الشيخ محمد بن إبراهيم اليحيى –رحمه الله- وكان يعتن به أشد عناية، وقبيل انتهاء

سيقوله حيال نجاح العملية، وبعد

جدة لمرافقة والده إلى الطبيب ومعرفة ما

الأربعين يوماً رجع والدي إلى

اطمئنانهم عليها، عادا بالطائرة إلى بريدة.

القسم الخامس: أعماله الدينية توليه الإمامة والخطابة في ربيق:
عُيِّن –رحمه الله- بشكل رسمي إماماً وخطيباً للجمعة في هجرة ربيق، ولا يعرف سنة تعيينه تحديداً ولكن
المعروف أنه كان في أوائل السبيعينات الهجرية حتى أوائل الثمانينات، ورُبيق ذكرها الشيخ محمد العبودي في
كتابه: "معجم بلاد القصيم3" فقال عنها: ˚)ربَيق بسكون الراء في أوله جريًا على عادتهم في لهجتهم العامية
في سكون الراء، ثم باء مفتوحة فياء فقاف آخره، بصيغة تصغير "ربق"، والربق في لغتهم العامية هو: العروة
من ع دة عرى تُربط بها البهم برقابها، وهو مورد ماء لجماعة من مطير، أميرهم يقال له: ابن سحمان، وبين
ربيق والربقية السابق ذكرها حوالي ثلاثة أكيال، وهما في واد يقال له: شعيب الربقية، ويقع إلى جهة الجنوب
الغربية من الربقية، وأقرب الأماكن المشهورة إليها من جهة الجنوب أضاخ المشهور قديماً وحديثاً، وبينه وبين
أضاخ قرية أثلة التي سبق ذكرها في حرف الألف، وهي في الجنوب الغربي من القصيم.(
وقد كتب الشيخ فايز العضيلة -وهو من أهل هجرة ربيق ويعمل معلماً في إحدى المدارس الثانوية
فيها- تغريدة موفقة سجل فيها ما يدل على مكانة الجد العلمية وعلى ما تميز به من حسن الخصال وجميل
السجايا، ووثق كلامه بشهادة كبار السن الذين عاصروه –رحمه الله- فقال في تغريدته ما نصه: )هو الشيخ
محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله من فقهاء مدينة بريدة، عُيِّن إماماً وخطيباً ومفتياً رسمياً لهجرة ربيق التي تقع
غرب جنوب بريدة بحوالي مائة وثلاثين كيلو متر تقريباً، ولا أعلم عن سنة تعيينه، ولا فترة بقائه في هجرة ربيق،
ولكن عثرت على كتابات بخط يده، بعضها بتاريخ 1376)هـ(، وبعضها في عام 1380)هـ(، وبعضها في
عام 1385)هـ(، وقد تولى الإمامة والخطابة والفتيا في هجرة ربيق فترة طويلة حسب كلام كبار السن في
هجرة ربيق التاريخية، وكان مرجعاً لأهل ربيق وما جاورها في الفتيا، وكتابة الوصايا، وتوثيق الديون، وإثبات
الأملاك الزراعية، وفصل الخصومات، وقسمة التركات، وقضاء حوائج الناس، وكان في تلك الفترة التي قضاها بربيق مثالًا للصدق والإخلاص والتواضع، وسلامة الصدر، مما جعله محبوبًا عند الصغير قبل الكبير رحمه الله رحمة واسعة، وجمع به ووالدينا في مستقر رحمته. تقرير فايز العضيلة في 1439/9/16)هـ(، انتهى كلامه وفقه الله.
وما سطره الشيخ فايز يثبت أ ن الجد رحمه الله عين للإمامة والخطابة بصفة رسمية، وأنه أيضاً كان إلى
جانب ذلك يفتي ويكتب الوصايا ويوثق الديون وإثبات الأملاك الزراعية، ويفصل الخصومات ويقسم التركات



.(1010-1009/3) 3

من العلم والفقه ما يؤهله لأن يقوم بهذه

ويقضي حوائج الناس، وهذا يدلُّ على أ ن لدى الجد –رحمه الله- المهام الجسام.
ومن المسائل الفقهية التي ينقلها أهل ربيق عنه:

-أن أهالي بلدة ربيق كانوا إذا أرادوا التبضع وشراء حاجتهم الغذائية ونحوها يذهبون إلى الرس كونهالأقرب المدن الكبيرة إليهم، وبينها وبين ربيق مسافة ستين كيلًا، فكانوا لا يقصرون الصلاة لكون المسافة أق من مسافة القصر، ولكنه سافر بهم مرة فقصر بهم.4
-أنه لم يقبل خبر المندوب الذي أتى ليخبرهم بأنه قد سمع في "الراديو" أن هلال شوال قد شوهد،.وذلك لما كان يعتقده الناس في ذلك الزمان بأن من يستمع "الراديو" فهو غير عدل ولا يقبل خبره
تولي الإمامة في خب الأميه:
كما تولى الإمامة فترة يسيرة في خب الأميه لما كان يعمل بالزراعة في "نخل القصران"، ولم يستمر لعدم رغبته في الزراعة –كما سبق الإشارة إلى ذلك.-
تولي الإمامة والخطابة في بلدة الخصيبة:
تولى الإمامة والخطابة في بلدة الخصيبة، وهذه البلدة قال عنها الشيخ محمد العبودي في "معجم بلاد
القصيم5" )الخ˚صَي˚بة بإسكان الخاء أوله فصاد مفتوحة فياء ساكنة فباء موحدة، فتاء مربوطة أخيرة تُنطَق هاء، هجرة لقوم من الفردة، أسسها ذعار بن حماد من أمراء الفردة من بن السفر من قبيلة حرب، وتقع في شمال
الأسياح النباج قديماً، سميت خصيبة لوجود شجر يقال له: الخصاب في موضع إحداثها( ومكث في الخصيبة مدة يسيرة، ربما تكون من أربع إلى خمس سنوات فقط.











4 لعل الجد أخذ بالقول الثاني: وهو أن مسافة السفر لا تحدد بمسافة معينة لا زمنية ولا طولية، وإنما المرجع فيها إلى ما تعارف عليه الناس، فما سموه سفراً فهو سفر وما لا فلا، وهذا قول الموفق ابن قدامة وشيخ الإسلام ابن تيمية وتلميذه ابن القيم والشيخ محمد بن إبراهيم رحمه الله، واختيارات شيخ الإسلام رحمه الله كانت تتداول بين فقهاء الحنابلة وأئمة الدعوة النجدية رحمهم الله.
ينظر: البدر السافر في أحكام صلاة المسافر للشيخ عبدالله بن صالح الفوزان )ص.(32
.(915/3) 5

القسم السادس: مكتبته كتبه في أثناء حياته:
كان الجد رحمه الله عنده بعض الكتب في فنون متعددة كالفقه، والتفسير، والحديث، والعقيدة، وهذه
الكتب كانت تتداول بين طلاب العلم في ذلك الوقت، وهي التي تُقرأ على المشايخ في وقتهم.
وقد رأيته بعد صلاة الضحى يطالع في هذه الكتب حتى وقت الأذان، ولم يكن هناك مكان خاص
لهذه الكتب، وإ نما كانت توضع في الرفوف التي بداخل الُحجَر، فتصف وتُـلَف بخرق حتى لا تتأثر كثيراً،
وخصوصاً القرآن الكريم.
كتبه بعد وفاته:
ولما توفي أخذ الكتب الوالد وثم نها وجعلها من التركة، وأتى بها إلى الرياض، وبقيت عنده في بيته، ثم
أتى بها بعض الإخوان من بيت الوالد بمشورته، وأعطوني إياها في بيتي في حي الشفاء، فأخذتها، وكان بعضها متمزقاً من جراء النقل والحرارة.
وقد تم وضعها في مكتبة ابن القيم التابعة لجامع شيخ الإسلام ابن تيمية في حي السويدي، أوقفت
بعض كتبه عندهم، جعلها الله من العلم النافع.
إهداء الشيخ السعدي أحد كتبه له:
ومما أذكره أ ن الشيخ عبد الرحمن بن ناصر السعدي رحمه الله أهدى إليه كتابًا، وكتب الإهداء على طرته
مذيلًا بإسم الشيخ، وأظن أن ه "اللطائف في التفسير"؛ لأ ن الشيخ –رحمه الله- قد توّسع في إهدائه – فهو مطبوع على نفقته.
أسماء بعض الكتب الموجود في مكتبة الجد:
والمتبقي من مكتبته –رحمه الله- بعض الكتب والقصاصات اليسيرة، وهي الآن عندي في بيتي، منها: -1 "اقتضاء الصراط المستقيم في مخالفة أصحاب الجحيم"، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، بتحقيق
محمد حامد الفقي، والمطبوع على نفقة صاحب السمو الملكي الأمير منصور بن عبد العزيز آل سعود،
والمطبوع عام 1369)هـ(، الموافق 1950)م(، وقد كتب بخطه رحمه الله على طرة الكتاب: وقف منصور بن الإمام عبد العزيز لوجه الله، لشيخ الإسلام أحمد ابن تيمية.
-2 "معارج الألباب في مناهج الحق والصواب"، تأليف العلامة المحقق: الشيخ حسين بن مهدي النعمي اليمن، المتوفى سنة 1187)هـ(، بتحقيق محمد حامد الفقي، الطبعة الأولى عام 1369)هـ(، بتاريخ 1950)م( في مطبعة السنة المحمدية.

-3 "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب"، للشيخ محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله، وقد عثرنا
على الكتاب دون غلافه.
-4 قصاصات من تفسير ابن كثير المطبوع بمطبعة عيسى البابي الحلبي.
-5 قصاصات من شرح كشاف القناع عن متن الإقناع، لمنصور بن يوسف البهوتي.
-6 مجموعة الرسائل والمسائل النجدية، المطبوعة على نفقة الإمام عبد العزيز آل سعود رحمه الله تعالى.
-7 "الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة"، لعبد الله بن حسين المخضوبي، للإمام ابن حجر
العسقلاني رحمه الله، وطُبع بإذن رئيس القضاة بمحكمة مكة المكرمة الشيخ عبد الله بن عمر بن دهيش،
ونشره أسعد بن محمد بن سعيد الحب ال وأولاده.
-8 "جزء من مجموعة الفتاوى"، لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى.
-9 "مجموعة ثلاث رسائل في مناسك الحج والعمرة: منسك شيخ الإسلام ابن تيمية، ومنسك الإمام الصنعاني، وقصيدة ذكر الحج وبركاته المنسوبة للإمام الصنعاني."
-10 قصاصات من كتاب "فتح المجيد شرح كتاب التوحيد."
وقد اطلعت على أوراق كتبها رحمه الله بخطِّ يده كخطبة الجمعة لما كان بربيق، ولا أعلم هل كل جمعة
يكتب لها، أو يكتفي بما جاء في كتاب "الحكمة البالغة في خطب الشهور والسنة" للمخضوبي، وكان عنده
أوراق مكتوب عليها اسمه، ومكتوب عليها: إمام وخطيب هجرة ربيق أو بلدة ربيق.

القسم السابع: عبادته الحرص على الصلاة ونوافلها:
أ ما عبادته –رحمه الله- فلا تسأل عنها، فقد شهدت هذا بنفسي وأدركته،كما تذكر الجدة عنه وبعض
الأقارب أنه قد عرف بكثرة التعبد منذ صباه وشبابه، وكان جادًّا كل الجد في العبادة، فمهما حصل من
الظروف لا يتكاسل عن العبادة بأي حال من الأحوال، ومن ذلك: أنه كان يعمل في "نخل القصران" بالأميه، ورغم ما كان يصيبه من مشقة ونصب إلا أن ذلك لم يجعله يتوانى عن قيام الليل وصيام النهار، كما أنه توفي له عدد من الأولاد، بل قد توفي له في أسبوع واحد ولدان، ومع ذلك لم يؤثر ذلك في عبادته.
كما أنه من حرصه –رحمه الله- على العبادة وبخاصة الصلاة أنهكان لا يؤذِّن المؤذن إلا وهو في المسجد فكان يدخل للمسجد قبل الأذان أو في أثناءه، وما رأيته أبداً يتكاسل عن أداء الصلاة في أول وقتها، ولم أره يقضي الصلاة مطلقاً، وكان مكانه دائماً في الروضة خلف الإمام.
وكان شديد الحرص والعناية على أداء السنن الرواتب والنوافل بكافة أنواعها.
أما قيام الليل فمنذ نشأته وشبابه لم يترك قيام الليل، بل كان يقوم الليل، ويقرأ القرآن، ويتهجد، ويصلي، ويطيل في هذا، وكن ا في وقت شبابنا نسهر في بريدة، فإذا اقتربت الساعة الثانية عشرة رجعنا إلى البيت فوجدناه قد استيقظ واستعد لقيام الليل.
الحرص على صيام التطوع والإكثار منه:
كان رحمه الله يصوم الاثنين والخميس، والأيام البيض، وعشر ذي الحجة، وكثيراً من شهر محرم وشعبان، ولم يكن يترك الصوم حتى في السفر، ففي بعض الأحيان يذهب إلى الأميه لخرص النخل ومع ذلك فإنه يصوم دون تردد، وكان إفطاره وسحوره، يسيراً بسيطاً كحال أغلب الناس في ذلك الزمان.
قراءة القرآن:
كان –رحمه الله- يحرص أشد الحرص على قراءة القرآن، ففي غير رمضان كان يختم كل ثلاثة أيام،
وأ ما في رمضان فكان يختم كل يوم، وكان إذا صلى يطيل الصلاة والقراءة، ولكونه كان حافظاً للقرآن كان
من السهل عليه أن يختم في يوم واحد، وإذا ختم كل ثلاثة أيام جمع أهل بيته، ثم دعا بدعاء ختم القرآن كما كان يفعل أنس بن مالك رضي الله عنه، وقد أدركت شيئاً من هذا لما كنت أمكث عنده في العطلة الصيفية، فقد كان يجمعنا ويقول: سأختم، فيدعو بدعاء ختم القرآن، وكنا نؤمِّن على دعائه.
الجلوس للذكر بعد الفجر حتى طلوع الشمس:

كان من عادته –رحمه الله- الجلوس للذكر من بعد صلاة الفجر حتى طلوع الشمس، ولم يكن يفوت
أجر هذه العبادة أبداً، وأذكر في هذا الشأن أنه لما توفي ابنه -عمي عبدالكريم رحمه الله- في الرياض، كان
والدي –رحمه الله- حينها مسافر في رحلة علاجية إلى القاهرة، فذهبت إلى بريدة لآتي بالجد –رحمه الله-،
ولما وصلت بريدة عصراً طلبت من صاحب السيارة أن يأتي غداً بعد صلاة الفجر ليسافر بنا إلى الرياض
واشترطت عليه بعض الشروط منها ألا يدخن، وألا يشغل مسجلًا، وألا يركب معنا أحداً فوافق، فلما سمع
الجد اتفاقنا انزعج من ذلك وقال: يفوتن أجر حج وعمرة تامتين، وكان يرغب أن تبدأ الرحلة بعد طلوع الشمس ليبقى في المسجد قبلها للذكر والصلاة، فبينت له أن الطريق طويل- إذ كان الطريق القديم بين الرياض والقصيم الذي يمر بعدد من بلدان سدير- والجو حار ولابد من الشروع في السفر قبل طلوع الشمس، وبالفعل سافرنا ووصلنا الرياض قبل صلاة الظهر.
جلوسه للذكر بعد العصر حتى غروب الشمس:
وكان إذا صلى العصر جلس يذكر الله ويقرأ القرآن حتى تحين صلاة المغرب وبعد الصلاة يعود لمنزله
لتناول العشاء ثم يعود للمسجد لصلاة العشاء وأداء السنة الراتبة بعدها، وإذاكان صائماً فإن ه يؤتى له بإفطاره
وإفطار الجماعة الذين يصومون معه في المسجد، سواء كان ذلك في صيام الاثنين والخميس، أو صيام الأيام البيض، وبعد صلاة العشاء مباشرة يخلد إلى النوم استعداداً لقيام الليل.
وأذكر أ ن بعض الأقارب جاءوا من الرياض إلى بريدة للسلام عليه، فقلت لهم: تستطيعون السلام عليه في المسجد بعد العصر، فأتيته وأخبرته أن بعض الأقارب أتوا للسلام عليك وسيحضرون للمسجد بعد العصر، فكأن ه امتعض من هذا وقال: سوف يقطعوني عن القراءة والذكر، فجاءوا وجلسوا عنده، وسل موا عليه، وتحدثوا معه ثم غادروا.
والجد -رحمه الله-كان حريصاً على القيام بوظائف الذكر في أوقاتها المخصصة لكل وقت، وكنت أسمعه إذا خرج من بيته إلى المسجد لصلاة الفجر يأتي بالدعاء الخاص بهذا الوقت، وهو قوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم في قلبي نوراً وفي سمعي نوراً "... والحديث رواه أبو داود وغيره.
حجه وعمرته:
لم يكثر الجد رحمه الله من الحج أو العمرة، ودائماً يستشهد بقول الرسول صلى الله عليه وسلم: {من
صلى الغداة في جماعة ثم قعد يذكر الله حتى تطلع الشمس، ثم صلى ركعتين كانت له كأجر حجة وعمرة،

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: تامة تامة تامة6}، والحديث وإن كان فيه مقال، فبعض العلماء ضع فه، ولكن يوجد منهم من ح سنه، كالشيخ ابن باز والألباني –رحمهم الله جميعاً.-
صدقته:
ومن عبادته أن ه كان كثير الصدقة على قلة ذات اليد، فلا يكاد يسمع عن فقير سواء كان من جيرانه أو من غيرهم، إلا يعطيه ما تجود به نفسه، كما كان يطعم الص وام معه في المسجد أيام الصيام.
كما كان –رحمه الله- يعفو عن المدينين إذا أعسروا ويسقط عنهم ديونهم تخليصاُ لذممهم.











































6 أخرجه الترمذي برقم (586) وقال: حسن غريب. وصححه الألباني في صحيح الجامع برقم .(6346)

القسم الثامن: أبرز الصفات التي تحلى بها التصاف بالصدق وسلامة الصدر:
قال الشيخ فايز العضيلة في تغريدته عن الجد: "وكان في تلك الفترة التي قضاها بربيق مثالًا للصدق
والإخلاص والتواضع وسلامة الصدر، مما جعله محبوبًا عند الصغير قبل الكبير، رحمه الله رحمة واسعة، وجمعنا به ووالدينا في مستقر رحمته. اللهم آمين."
كما كتب عنه تقريراً نقل فيه كلام بعض كبار السن في بلدة ربيق والذين عاصروا الجد رحمه الله، قال
فيه: "تشرفت عصر هذا اليوم بزيارة الشيخ الراوي: عيدي بن عايد المطيري، ضمن حملة الزيارات الميدانية
لكبار السن في هجرة ربيق لجمع بعض المعلومات عن سيرة الشيخ الفقيه: محمد بن إبراهيم القصير، إمام وخطيب جامع ربيق في السبعينات الهجرية، والشيخ عبدي المطيري لمن لا يعرفه يعتبر أكبر العضيلات الموجودين في نجد حالياً، فقد تجاوز المائة من العمر أطال الله في عمره على طاعته، وهذا ملخص اللقاء:
يقول: لأم أرَ في حياتي كلها مثل هذا الشيخ في التقوى والصدق والأمانة والحزم والصبر على الناس،
لأنه كان مسؤولًا عن فصل الخصومات وكتابة الوصايا والأوقاف وإثبات الأملاك الزراعية، ولاشك أن من يتصدر لمثل هذه الأمور العظيمة لابد أن يناله أذى الناس لكنه صبر وكانت العاقبة له.
وقال: كلن يعلم الناس القرآن الكريم في المسجد، وممن تعلم القرآن على يديه: الشيخ والفارس سفر بن حمد المطيري أحد رجالات الملك عبدالعزيز-رحمه الله- والذي شارك معه في معركة الرغامة.
وذكر أنه –رحمه الله- استقال من هجرة ربيق في آخر عهد الملك سعود –رحمه الله-على إثر خلاف
وقع بينه وبين أمير البلدة آنذاك، وقد حزن الناس على رحيل الشيخ حزنًا شديداً، وبكاه الصغير قبل الكبير، والنساء قبل الرجال، كيف لا؟! وقد فقدوا الأب الحاني والمعلم الناصح.
ثم قال الشيخ عبدي في نهاية اللقاء بعبارات تملؤها الحزن وعيون تملؤها الدموع بعد أن تذكر ذلك الزمان وأهله: كان الشيخ محمد القصير المرجع لنا في كل شيء، في الفتيا وفصل الخصومات وتقسيم التركات وكتابة الوصايا والأوقاف وتوثيق الديون والمزارعة والمحاصدة وقضاء حوائج الناس، إلى جانب عمله في الإمامة والخطابة وتعليم الناس أصول القراءة والكتابة.
رحم الله الشيخ محمد بن إبراهيم القصير رحمه الله رحمة واسعة، وجعل ما قدم من الخير في موازين حسناته يوم يلقاه وجمعنا به في مستقر رحمته.
كما ذكر الشيخ فايز وغيره أن ه كان لا يتدخل في شؤون الن اس، أو يتتبع أخبارهم، بل كان معرضاً
عنهم إعراضاً تاماً، وكان منصرفاً تماماً إلى العبادة،كما كان يحب بذل المعروف، والإحسان إلى الآخرين.

صلة الأرحام:
كان رحمه الله حريصاً على صلة الأرحام والأقارب بالذهاب إليهم وزيارتهم والسلام عليهم، كما كان
يدعوهم لضيافتهم في منزله، كما كان يحرص كثيراً على السلام على المشايخ وطلاب العلم وخصوصاً أقرانه، ومن أقاربه الذين كان يحرص على صلتهم أخواله النصار.
وكان خاله عبد الله النصار كفيف البصر، وله دكان بالوسعة في بريدة، وبيته قريب من مسجد الشيخ صالح الخريصي رحمه الله، وقد عرض عليه خاله عبد الله النصار أن يذهب معهم إلى الرياض لحضور زواج ابنه
الكبير عبد العزيز، فوافق على كبر سنه في ذلك الوقت، وكنت حينها مع الوالد في بريدة، فقال لي الوالد:
اذهب مع جدك إلى الرياض لأن ه كبير سن، ويحتاج إلى من يعتن به، وبالفعل وصلنا الرياض وحضرنا مناسبة زواج ابن خاله ومن ثم عدنا مرة أخرى إلى القصيم.
وقد كان العم محمد بن عبدالعزيز العلي –رحمه الله- أمير الشقة في ذلك الوقت يدعو الجد باستمرار
إلى زيارته وضيافته في الشقة، وكان يلبي دعوته ويمكث عنده اليومين والثلاثة.
وللجد مع زيارة الشقة حكايا قديمة، حيث كانت "هيلة الزبن" والدة العم عبدالعزيز العلي تطلب من ابنها إحضار الجد محمد وأخيه عبدالله إلى الشقة حينما كانا صغيرين يتيمين، فيأتيان ويأكلان من التمر، ويقوم الجد بممارسة هوايته في الصيد، إذ كان ماهراً به جداً، وكان يملك بندقية تسمى بـ"أم خمس" وكان قد درب ابنه عبدالكريم عليها –رحمهما الله جميعاً- .
ووما يروى في هذا الشأن أنه قد مرّ سرب طيور في سماء ربيق وحاول أهل ربيق صيدها فلم يفلحوا،
فصادها هو –رحمه الله- وكان ذلك بمحضر أهل ربيق وانبهارهم مما حصل.

القسم التاسع: ما يذكره الجد عن والده وما يذكره الوالد عن الجد
ذكريات الجد عن والده:
مما سمعته عن الجد من والده إبراهيم العلي -رحمهما الله:-
الأول: قال الجد رحمه الله: لما دخلت أقرأ القرآن امتنعت يوماً عن القراءة والذهاب إلى القارئ، فقام
والدي رحمه الله بسحبي مع رجلي من بيتنا إلى بيت القارئ، وكانت الأرض رملية، والأقران يمشون خلفي
ويضحكون، ويتهامسون، وبعدها لا أذكر أنن تأخرت عن القراءة يوماً واحداً.
الثاني: أ ن امرأة كانت تمشي خلف والده وتضربه من الخلف ظناً منها بأنه الرجل الذي تريد، فكانت تضربه ولا يلتفت إليها، وكانت تنادي اسم ذلك الرجل ولا يجيبها ، فل ما تب ين لها أ نها أخطأت، قالت: إبراهيم العلي! فخجلت من صنيعها خجلًا شديداً، وقدمت له الاعتذار، ولم يرد عليها.
ذكريات الوالد عن الجد:
أمَّا ما يذكره والدي عن والده رحمهما الله تعالى فكثير، منها:
- قال والدي-رحمه الله:- ذهبنا مرة أنا وهو إلى عنيزة مشياً على الأقدام للإتيان بحاجة ، فلما ارتفع النهار رجعنا من عنيرة، وإذا برجل من أهل البادية يتبعنا في الطريق، وكلما مشينا سار خلفنا وبين كل حين
وآخر كان ينحرف لقضاء حاجته ثم يعود فيتبعنا حتى تجاوزنا الوادي بقليل، ولما وصلنا منطقة فيها منازل
وسكان ناداه الوالد، وقال له: يا أخ! نحن بيتنا هنا، وقد وصلنا إلى أهلنا، فتفضل معنا، فقلت له –وقد كنت صغير السن- : لا لم نصل للبيت بعد! فالتفت والدي للرجل وقال: هذا صغير ما يدري، فاعتذر الرجل عن الدخول معهم للبيت ومشى، فقال لي والدي: أعلم أننا لم نصل للبيت ولكن خشيت أن يكون هذا الرجل لما رآنا نبيع في عنيزة يطمع بما معنا فيقلتن وتنفجع أنت .
- قال والدي أيضاا: جاء طبيب للعيون نصراني مبشِّ ر -كما تقول الأخبار- اسمه ديم، وكان قد جاء إلى بريدة من عام أربعين، ولا أدري هل كان مستقراً فيها، أو أن ه يتردد بين مدن المملكة، فطلبت من أبي أن يعطين ريالًا لأذهب إلى الطبيب ديم فيعال عين التي انفقأت بسبب الجدري وأنا صغير، فأعطاني الريال، ولما
أتيته لم أجده، فقمت بصرف الريال، وكان أقراني يتعجبون كيف لي أن أحصل على ريال ولا يأخذه من
والدي؛ حيث إنه في ذلك الوقت لا يمكن لأحد ممن هم في سن أن يحصل على مثل هذا المبلغ الكبير في وقته.

ومما يذكره الوالد أيضاا: أن خاله صالح المحمد الحمود –رحمه الله- لما مرض وأدخل المستشفى في بريدة قال له والده: يبدو أن منية خالك قد اقتربت، وذلك لرؤيا رآها فيه، وقصها عليه بقوله: رأيت أنن وخالك صالح دخلنا على أخي عبدالله –وكان متوفياً حينها- فخرجت أنا وبقي خالك عنده –رحمهم الله جميعاً.-
وكذلك مما يذكره الوالد عن والده -رحمهما الله- ففي أواخر الحرب العالمية الثانية كان من آثارها ارتفاع الأسعار مما كان له تأثير بالغ على العالم أجمع، وخصوصاً في البلدان التي دخلها الاقتصادي قليل كبلادنا في ذلك الوقت، حيث وصل كيس السكر سبعمائة ريال، وهو سكر رديء أيضاً، وقد استدان الجد رحمه الله هذا المبلغ من المشيقح وأرهنهم بيته الذي في العجيبة ولم يستطع فك الرهن إلا بعد سنوات.

القسم العاشر: ذكر إخوته وأخواته إخوته الأشقاء:
أمَّا إخوته الأشقاء فهم: عبد الله وهو أكبر منه، ويليه الجد محمد، ثم سليمان الذي مات في شبابه فقد حيث سافر إلى الرياض لطلب العلم، ومات هناك.
إخوته لأب:
أ ما إخوته لأب فهم:
- أخوه علي وهو الأكبر.
- ثم أخوه محمد، وهو الذي طلب الرحلة إلى الهند لطلب العلم، ومن ثم إلى اليمن. - وأخوه عبد الرحمن، -أخواله من الضالع- وقد ذهب مع العقيلات وانقطع خبره. أخواته:
عند تفتيش الوثائق عثرت على ذكر اسم أخت لهم، وقد ورد ذكرها في موضعين، لكن في كلا الموضعين تمزيق، وبقي منه حافة، فقرأت منه: )هـ ي بنت إبراهيم العلي القصير(، فإ ما أن تكون هيا، وهذا هو الأقرب إلى الصواب، وربما تكون هيلة، ولم يأت لها ذكر، لا على لسان الجد، ولا على لسان أبي، وربما أ نها قد ماتت وهي صغيرة، وقد بيع نصيبها في حياتها.

القسم الحادي عشر: زوجاته وأولده تزوَّج الجد رحمه الله ثلاث زوجات وكان له منهن أبناء وبنات: الزوجة الأولى:
هي الجدة هيا بنت محمد بن حمود رحمها الله تعالى، وربما أن ه تزوجها وهي صغيرة، في عام ثمانية وثلاثين
أو قبلها بقليل؛ لأ ن الوالد ولد سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وقد أنجبت الجدة رحمها الله أبناء وبنات،
وغالبهم قد ماتوا، ولم يبق للجد من الأبناء والبنات إلا والدي –رحمه الله- وابنتين: هما لولوة ونورة –حفظهما الله- وقد تزوجن وأنجبن.
والذي مات له رحمه الله من الوالدة هيا هم:
- عبد الرحمن، توفي وعمره ثلاث عشرة سنة بمرض الجدري.
- علي، توفي وعمره ثلاث سنوات بمرض الجدري، ومما يُذكر أ ن عبد الرحمن وعلي توفيا في يوم واحد، عبد الرحمن صباحاً، وعلي مساء.
- عبد العزيز، ومات بمرض الجدري أيضاً.
- وبعده عبد العزيز الثاني، وأصيب بمرض الحصبة، وكلاهما عبد العزيز وعبد العزيز الثاني لم يتموا السنة الأولى من ولادتهم.
- إسحاق، وقد توفي بعد الولادة مباشرة.
ومن البنات: لولوة وكان عمرها اثنتي عشرة سنة، وأصيبت بمرض الجدري. - منيرة ومرضت بمرض الحصبة، ولم تكمل السنتين.
-منيرة أخرى وقد مرضت بالجدري، ولم تكمل السنتين أيضاً.
- هيلة، وأصيبت بمرض الحصبة، وعمرها أربع سنوات.
الزوجة الثانية:
هي: محيلة بنت سالم بن مرزوق ، من قبيلة مطير، من بلدة ربيق، ونطلق عليها محيلة المطيرية، وقد
تزوجها الجد في سنة موت الملك عبد العزيز –رحمه الله-، وأنجبت له شريفة، وماتت وعمرها سنتان، وعبد
الكريم رحمه الله، وتوفي بعد بلوغه في قرابة سنة خمسة وتسعين، ولكن الجد كان قد طل ق زوجته محيلة وعمر
العم عبد الكريم رحمه الله ثلاث سنوات.
الزوجة الثالثة:

هي: رقية بنت صالح السعوي، وقد يكون تاريخ الزواج في سنة أربع وثمانين وثلاثمائة وألف 1384)هـ(،
وقد أنجبت له أبناء وبنات، والبنات كلهن أحياء، وه ن منيرة وهيلة، وقد تزوجن وأنجبن، ومن الأبناء الذين
ماتوا وهم من زوجته رقية أربعة: يوسف، وحمود، وعمر، ويوسف كذلك، وكل هؤلاء لم يبلغوا إلا سنتين أو ثلاثًا وربما أقل من ذلك.
فيكون قد مات له من الذكور والإناث خمسة عشر ولداً، وكلهم لم يصلوا سن البلوغ ما عدا عبدالكريم فقد مات بعد بلوغه وكان قد عايش والده فترة من الزمن.
ومما يذكره الوالد والعمات عن صبر وتصبر الجد واحتسابه أولاده عند الله ابتغاء أجره وثوابه وما أعده الله للصابرين شيء عجيب، وكان دائماً يردد الحديث الذي رواه أنس بن مالك –رضي الله عنه- في فضل من مات له أولاد صغار، وهو قول الرسول صلى الله وسلم: "ما من مسلم يموت له ثلاثة لم يبلغوا الحنث إلا أدخله الله الجنة بفضل رحمته إياهم" متفق عليه ، وكذا ما ورد عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يموت لأحد من المسلمين ثلاثة من الولد لا تمسه النار إلا تحلة قسم" متفق عليه.

القسم الثاني عشر: وفاته حاله في آخر أيامه:
كان الجد قبل وفاته متعباً من جراء وجود احتكاك في الركب، وربما كان بسبب الروماتيزم، وكان حتى
يخفف الألم يقوم بربط ركبتيه، ولم يكن يستطيع الذهاب للمسجد في آخر حياته بسبب ما يعانيه من آلام في

والنوافل، ثم شاخ عقله وبدأت ذاكرته

رجليه أثرت على قدرته على المشي، فكان يصلي في البيت الفرائض بالنقصان شيئاً فشيئاً حتى توفي رحمه الله.
وفاته:

في شهر رمضان من عام 1400)هـ( انتقل الجد –رحمه الله- إلى الرفيق الأعلى، وكان عنده آنذاك الأخ
سليمان وكان صغير السن، والعمة لولوة –حفظها الله- حيث كانت حينها في الرياض، وسافر بها الأخ
سليمان إلى بريدة لزيارة والدها، فوافق أن مات في ذلك الوقت، فاتصل بنا العم عبد الله المحمد )جد أولادي( رحمه الله وأخبرنا بوفاته، فتوجهت أنا والوالد إلى المطار مباشرة، ووجدنا رحلة مغادرة إلى القصيم، وفور وصولنا ذهبنا إلى بيت الجد رحمه الله، وكان بالنفود، فأُخبرنا أن ه تم تغسيله والذهاب به إلى المسجد ولم نكن نعلم أي المساجد سيصلى عليه فيها، فذهبنا إلى الجامع الكبير فلم نجده، ثم ذهبنا إلى مسجد الشيخ صالح الخريصي،
فوجدناهم يصلون التراويح في السطح؛ حيث كان الجو حاراً في فصل الصيف، ورأينا الجد مسجى، فلما
انتهوا من صلاة التراويح صلى عليه الشيخ صالح الخريصي وجماعته، وبعض الأقارب الذين حضروا للصلاة
عليه، منهم العم عبد الله المحمد –رحمه الله- وهو الذي قام بتغسيله، وكذا العم عبد الرحمن المحمد القصير – حفظه الله- وبعض الأقارب الذين لا تحضرني أسماؤهم.
وبعد أن انتهينا من الصلاة عليه حملناه إلى مقبرة الموطأ، ودُفن هناك، وقد مشى الشيخ صالح الخريصي على قدميه من المسجد إلى المقبرة، وكانت قريبة من مسجده وبيته، ووقف على قبره، ودعا له.
وسيأتي إن شاء الله تعريف بالجدة هياء بنت محمد الحمود –رحمها الله- وبالعمات –حفظهن الله- وبالعم عبدالكريم رحمه الله.
هذا ما أمكنن تسطيره عن حياة الجد وما أسعفتن به الذاكرة وما استطعت جمعه من الأقارب وغيرهم ممن عاصره، أسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع فضله ورحمته وأن يجعل ما قدمه في ميزان حسناته وأن ويجمعنا به ووالدينا وأحبابنا في جنته ومستقر رحمته.
وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم،،

زوجاتوه

1- منيرة عيدالرحمن الحصان
2- فاطمة ابراهيم العجلان

سيرة امة

هيا محمد الحمود القصير

الشجرة أمانة الجميع

كل فرد من العائلة يستطيع الدخول لعرض الشجرة كاملة، وتحديث بياناته الخاصة، وإضافة أبنائه — وتُراجع الإضافات قبل اعتمادها حفاظًا على دقة النسب.

دخول الأعضاء